الصلاة من الذكر والقراءة ، وما لا يزاحم حق المغصوب منه ، فإن الأكوان هي التي تتناول
منافع الدار ، ثم كيف يستقيم من المعتزلة هذا ، وعندهم لا يعلم المأمور كونه مأمورا ، ولا كون
العبادة واجبة قبل الفراغ من الامتثال كما سيأتي ، فكيف ينوي التقرب بالواجب وهو لا يعرف
وجوبه ؟ الجواب الثاني : وهو الأصح ، أنه ينوي التقرب بالصلاة ويعصي بالغصب ، وقد بينا
انفصال أحدهما عن الآخر ، ولذلك يجد المصلي من نفسه نية التقرب بالصلاة ، وإن كان في
دار مغصوبة ، لأنه لو سكن ولم يفعل فعلا لكان غاصبا في حالة النوم ، وعدم استعمال القدرة ،
وإنما يتقرب بأفعاله ، وليست تلك الأفعال شرطا لكونه غاصبا ، فإن قيل : هو في حالة القعود
والقيام غاصب بفعله ، ولا فعل له إلا قيامه وقعوده وهو متقرب بفعله ، فيكون متقربا بعين ما
هو عاص به ؟ قلنا : هو من حيث أنه مستوف منافع الدار غاصب ، ومن حيث أنه أتى بصورة
الصلاة متقرب ، كما ذكرناه في صورة الخياطة ، إذ قد يعقل كونه غاصبا ، ولا يعلم كونه مصليا ،
ويعلم كونه مصليا ، ولا يعلم كونه غاصبا ، فهما وجهان مختلفان ، وإن كان ذات الفعل واحدا .
الجواب الثالث : هو أنا نقول : بم تنكرون على القاضي رحمه الله حيث حكم بأن الفرض
يسقط عندها لا بها بدليل الاجماع ؟ فسلم أنه معصية ، ولكن الامر لا يدل على الاجزاء إذا
أتى بالمأمور ولا النهي يدل على عدم الاجزاء ، بل يؤخذ الاجزاء من دليل آخر كما سيأتي .
فإن قيل : هذه المسألة اجتهادية أم قطعية ؟ قلنا : هي قطعية ، والمصيب فيها واحد ، لان من
صحح ، أخذ من الاجماع ، وهو قاطع ، ومن أبطل أخذ من التضاد الذي بين القربة والمعصية ،
ويدعى كون ذلك محالا ، بدليل العقل ، فالمسألة قطعية ، فإن قيل : ادعيتم الاجماع في هذه
المسألة ، وقد ذهب أحمد بن حنبل إلى بطلان هذه الصلاة ، وبطلان كل عقد منهي عنه حتى
البيع في وقت النداء يوم الجمعة ، فكيف تحتجون عليه بالاجماع ؟ قلنا : الاجماع حجة
عليه ، إذ علمنا أن الظلمة لم يؤمروا بقضاء الصلوات مع كثرة وقوعها ، مع أنهم لو أمروا به
لانتشر وإذا أنكر هذا فيلزمه ما هو أظهر منه ، وهو أن لا تحل امرأة لزوجها وفي ذمته دانق
ظلم به ، ولا يصح بيعه ولا صلاته ولا تصرفاته ، وأنه لا يحصل التحليل بوطئ من هذه حاله ،
لأنه عصى بترك رد المظلمة ، ولم يتركها إلا بتزويجه ، وبيعه وصلاته وتصرفاته ، فيؤدي إلى
تحريم أكثر النساء ، وفوات أكثر الاملاك ، وهو خرق للاجماع قطعا ، وذلك لا سبيل إليه . -
مسألة ( المكروه غير الواجب ) كما يتضاد الحرام والواجب فيتضاد المكروه والواجب ، فلا يدخل مكروه
تحت الامر حتى يكون شئ واحد مأمورا به مكروها ، إلا أن تنصرف الكراهية عن ذات
المأمور إلى غيره ، ككراهية الصلاة في الحمام وأعطان الإبل وبطن الوادي وأمثاله ، فإن
المكروه في بطن الوادي التعرض لخطر السيل ، وفي الحمام التعرض للرشاش ، أو لتخبط
الشياطين ، وفي أعطان الإبل التعرض لنفارها ، وكل ذلك مما يشغل القلب في الصلاة ، وربما
شوش الخشوع ، بحيث لا ينقدح صرف الكراهة عن المأمور إلى ما هو في جواره وصحبته ،
لكونه خارجا عن ماهيته وشروطه وأركانه ، فلا يجتمع الامر والكراهية ، فقوله تعالى
: * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) لا يتناول طواف المحدث الذي نهي عنه لان
المنهي عنه لا يكون مأمورا به ، والمنهي عنه في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة انفصل
المستصفى — صفحة 63
مساهمون: الغزالي
ص٦٣