كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب ، بل لا بد من تأمل ونظر ، ولو لم ينظر لم
يعرف وجوب النظر ، وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر ، فيؤدي أيضا إلى الدور كما
سبق ، فإن قيل : العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له : أحدهما : أنه إن نظر وشكر أثيب ،
والثاني : أنه إن ترك النظر عوقب ، فيلوك له على القرب وجوب سلوك طريق الامن ، قلنا :
كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر ، بل قد يخطر له أنه لا يتميز في
حق الله تعالى أحدهما عن الآخر ، فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ترجع إلي ولا إلى المعبود ؟
ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره ، ونحن لا ننكر أن الانسان إذا
استشعر المخافة استحثه طبعه على الاحتراز ، فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر عن
العقل ، فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام ، بل الحق الذي لا مجاز
فيه أن الله موجب أي مرجح للفعل على الترك ، والنبي مخبر ، والعقل معرف ، والطبع باعث
والمعجزة ممكنة من التعريف ، والله تعالى أعلم .
مسألة ( حكم الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة ) ذهب جماعة من المعتزلة إلى أن الافعال قبل ورود الشرع على الإباحة ، وقال
بعضهم : على الحظر ، وقال بعضهم : على الوقف ، ولعلهم أرادوا بذلك فيما لا يقضي
العقل فيه بتحسين ولا تقبيح ضرورة أو نظرا كما فصلناه من مذهبهم ، وهذه المذاهب كلها
باطلة ، أما إبطال مذهب الإباحة فهو أنا نقول : المباح يستدعي مبيحا كما يستدعي العلم
والذكر ذاكرا وعالما ، والمبيح هو الله تعالى إذا خير بين الفعل والترك بخطابه ، فإذا لم يكن
خطاب لم يكن تخيير فلم تكن إباحة ، وإن عنوا بكونه مباحا أنه لا حرج في فعله ولا تركه
فقد أصابوا في المعنى وأخطأوا في اللفظ ، فإن فعل البهيمة والصبي والمجنون لا يوصف
بكونه مباحا ، وإن لم يكن في فعلهم وتركهم حرج ، والافعال في حق الله تعالى أعني ما
يصدر من الله لا توصف بأنها مباحة ولا حرج عليه في تركها ، لكنه انتفى التخيير من المخير
انتفت الإباحة ، فإن استجرأ مستجرئ على إطلاق اسم المباح على أفعال الله تعالى ولم يرد
به إلا نفي الحرج فقد أصاب في المعنى وإن كان لفظه مستكرها ، فإن قيل : العقل هو
المبيح ، لأنه خير بين فعله وتركه ، إذ حرم القبيح وأوجب الحسن وخير فيما ليس بحسن ولا
قبيح قلنا : تحسين العقل وتقبيحه قد أبطلناه ، وهذا مبني عليه فيبطل ، ثم تسمية العقل مبيحا
مجاز ، كتسميته موجبا ، فإن العقل يعرف الترجيح ، ويعرف انتفاء الترجيح ، ويكون معنى وجوبه
رجحان فعله على تركه ، والعقل يعرف ذلك ، ومعنى كونه مباحا انتفاء الترجيح ، والعقل معرف
لا مبيح ، فإنه ليس بمرجح ولا مسو ، لكنه معرف للرجحان والاستواء ، ثم نقول : بم تنكرون
على أصحاب الوقف إذا أنكروا استواء الفعل والترك وقالوا : ما من فعل مما لا يحسنه العقل
ولا يقبحه إلا ويجوز أن يرد الشرع بإيجابه ، فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي لأجله يكون
لطفا ناهيا عن الفحشاء ، داعيا إلى العبادة ، ولذلك أوجبه الله تعالى ، والعقل لا يستقل بدركه
ويجوز أن يرد الشرع بتحريمه فيدل على أنه متميز بوصف ذاتي يدعو بسببه إلى الفحشاء لا
يدركه العقل ، وقد استأثر الله بعلمه هذا مذهبهم ثم يقولون : بم تنكرون على أصحاب
الحظر إذ قالوا : لا نسلم استواء الفعل وتركه ، فإن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله
المستصفى — صفحة 51
مساهمون: الغزالي
ص٥١