2 - ونقلي محض ، كالأحاديث والتفاسير والخطب في أمثالها يسير ، إذ يستوي في
الاستقلال بها الصغير والكبير ، لان قوة الحفظ كافية في النقل ، وليس فيها مجال للعقل .
3 - وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ، واصطحب فيه الرأي الشرع ، وعلم الفقه
وأصوله من هذا القبيل ، فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل ، فلا هو تصرف
بمحض العقول ، بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول ، ولا هو مبني على محض التقليد ، الذي لا
يشهد له العقل بالتأييد والتسديد ، ولأجل شرف علم الفقه وسببه ، وفر الله دواعي الخلق على
طلبه ، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا ، وأجلهم شأنا ، وأكثرهم أتباعا وأعوانا ، فتقاضاني في
عنفوان شبابي اختصاص هذا العلم بفوائد الدين والدنيا ، وثواب الآخرة والأولى ، أن أصرف
إليه من مهلة العمر صدرا ، وأن أخص به من متنفس الحياة قدرا ، فصنفت كتبا كثيرة في فروع
الفقه وأصوله ، ثم أقبلت بعده على علم طريق الآخرة ، ومعرفة أسرار الدين الباطنة ، فصنفت فيه
كتبا بسيطة ، ككتاب إحياء علوم الدين ووجيزه ، ككتاب جواهر القرآن ، ووسيطه ككتاب
كيمياء السعادة ، ثم ساقني قدر الله تعالى إلى معاودة التدريس والإفادة ، فاقترح علي طائفة
من محصلي علم الفقه تصنيفا في أصول الفقه ، أصرف العناية فيه إلى التلفيق ، بين الترتيب
والتحقيق ، وإلى التوسط بين الاخلال والاملال ، على وجه يقع في الفهم دون كتاب تهذيب
الأصول لميله إلى الاستقصاء والاستكثار ، وفوق كتاب المنخول لميله إلى الايجاز
والاختصار ، فأجبتهم إلى ذلك مستعينا بالله ، وجمعت فيه بين الترتيب والتحقيق لفهم
المعاني ، فلا مندوحة لأحدهما على الثاني ، فصنفته وأتيت فيه بترتيب لطيف عجيب يطلع
الناظر في أول وهلة على جميع مقاصد هذا العلم ، ويفيده الاحتواء على جميع مسارح النطر
فيه ، فكل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه ، فلا مطمع له في
الظفر بأسراره ومباغيه ، وقد سميته : كتاب المستصفى من علم الأصول والله تعالى هو
المسؤول لينعم بالتوفيق ، ويهدي إلى سواء الطريق ، وهو بإجابة السائلين حقيق .
المستصفى — صفحة 4
مساهمون: الغزالي
ص٤