نصب الله عليه دليلا معرفا أو أمارة معلنة ، وربما لم ينصب دليلا فإذا قوة الدليل المعرف
بكونها علة ليس من شدة التأثير في شئ بل فسروا شدة التأثير بوجوه أولها انعكاس العلة مع
اطرادها ، فهي أولى من التي لا تنعكس عند قوم ، إذ دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيا
وإثباتا يدل على شدة تأثيرها ، كشدة الخمر إذ يزول الحكم بزوالها . الثاني : أن تكون العلة
مع كونها علة داعية إلى فعل ما هي علة تحريمه كالشدة فإنها محرمة ، وهي داعية إلى
الشرب المحرم لما فيها من الاطراب والسرور فهي مع تأثيرها في الحكم أثرت في تحصيل
محل الحكم وهو الشرب . الثالث : أن تكون علة ذات وصف واحد ، وعارضها علة ذات
أوصاف ، فقال قوم : الوصف الواحد أولى لان الحكم الثابت به المخالف للنفي الأصلي أكثر
فكان تأثيره أكثر فروعا فهي أكثر تأثيرا ، وقال قوم : ذات أوصاف أولى ، لان الشريعة حنيفية ،
فالباقي على النفي الأصلي أكثر ، ولا يبعد أن يغلب على ظن المجتهد شئ من ذلك .
الرابع : أن تكون إحداهما أكثر وقوعا ، فهي أكثر تأثيرا ، فتكون أولى ، وهذا بعيد ، لان تأثيرا العلة
إنما يكون في محل وجودها أما حيث وجود لها كيف يطلب تأثيرها . الخامس : علة يشهد
لها أصلان أولى مما يشهد لها أصل واحد عند قوم ، وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط
مختلفا ، وإن كان متساويا فهو ضعيف ولا يبعد أن يقوي ظن مجتهد به ، وتكون كثرة الأصول
ككثرة الرواة للخبر ، مثاله أنا إذا تنازعنا في أن يد السوم لم توجب الضمان ، فقال الشافعي
رحمه الله : علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق ، وعداه إلى المستعير ، وقال الخصم :
بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد للشافعي في علته رحمه الله يد الغاصب ويد المستعير من
الغاصب ، ولا يشهد لأبي حنيفة رحمه الله إلا يد الرهن ، فلا يبعد أن يغلب رجحان علة
الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه شاهد آخر ، وكذلك الربا إذا علل بالطعم بشهد له
الملح أيضا ، وإن علل بالقوت لم يشهد له ، فلا يبعد أن يكون ذلك من الترجيحات . العاشر
من الترجيحات العلة المثبتة للعموم الذي منه الاستنباط ، فهي أولى من المخصصة ، قال الله
تعالى : * ( أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) * ( النساء : 34 ، المائدة : 6 )
فبرزت علة تقتضي إخراج المحرم والصغيرة من العموم ، وبرزت علة أخرى توافق العموم ،
فالذي ينفي العموم لمجرده حجة فلا أقل من الترجيح به . وقال قوم : المخصصة أولى ، لأنها
عرفت ما لم يعرف العموم فأفادت ، والعلة المقررة للعموم لم تفد مزيدا فكانت أولى ،
كالمتعدية فإنها أولى من القاصرة عند قوم ، وهذا ضعيف ، لان المتعدية قررت الملفوظ وألحق
به المسكوت وأفادت ، والقاصرة لم تفد شيئا حتى قال قائلون : هي فاسدة فتخيل قوم لذلك
ترجيح المتعدية ، وليس ذلك بصحيح أيضا . وأما المخصصة فخالفت موجب العموم ، فكانت
أضعف من التي لم تخالف . الحادي عشر : ترجيح العلة بكثرة شبهها بأصلها على التي هي أقل
شبها بأصلها ، وهذا ضعيف عند من لا يرى مجرد الشبه في الوصف الذي لا يتعلق الحكم به
موجبا للحكم ، ومن رأى ذلك موجبا فغايته أن تكون كعلة أخرى ، ولا يجب ترجيح علتين على
علة واحدة ، لان الشئ يترجح بقوته لا بانضمام مثله إليه ، كما لا يترجح الحكم الثابت بالكتاب
والسنة والاجماع على الثابت بأحد هذه الأصول ، ويقرب من هذا قولهم : رد الشئ إلى
المستصفى — صفحة 381
مساهمون: الغزالي
ص٣٨١