الشبهة الثانية : قوله تعالى : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * ( النساء : 38 ) وقوله :
* ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) * ( آل عمران : 7 ) فدل على أن في مجال
النظر حقا متعينا يدركه المستنبط ، وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أنه ربما أراد به الحق
فيما الحق فيه واحد من العقليات والسمعيات القطعيات إذ منها ما يعلم بطريق قاطع
نظري مستنبط . والثاني : أنه ليس فيه تخصيص بعض العلماء ، فكل ما أفضى إليه نظر عالم
فهو استنباطه وتأويله ، وهو حق مستنبط وتأويل أذن للعلماء فيه دون العوام ، وجعل الحق في حق
العوام الحق الذي استنبطه العلماء بنظرهم وتأويلهم ، فهذا لا يدل على تخطئة البعض .
الشبهة الثالثة : قوله عليه السلام : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله
أجر فدل أن فيه خطأ وصوابا ، وقد ادعيتم استحالة الخطأ في الاجتهاد ، والجواب من
وجهين : الأول : أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب إذ له أجر وإلا فالمخطئ
الحاكم بغير حكم الله تعالى كيف يستحق الاجر ؟ الثاني : هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطأ
على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا إلى ما وجب عليه ، فإن الحاكم يطلب رد المال إلى
مستحقه ، وقد يخطئ ذلك فيكون مخطئا فيما طلبه مصيبا فيما هو حكم الله تعالى عليه ، وهو
اتباع ما غلب على ظنه من صدق الشهود ، وكذلك كل من اجتهد في القبلة يقال أخطأ أي أخطأ ما
طلبه ، ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه ، بل الواجب استقبال جهة يظن أن مطلوبه فيها ، فإن
قبل : ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا سواء ؟ قلنا : لقضاء الله تعالى
وقدره وإرادته فإنه لو جعل للمخطئ أجرين لكان له ذلك ، وله أن يضاعف الاجر على أخف
العملين ، لان ذلك منه تفضل ، ثم السبب فيه أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه ، والآخر
حرم الحكم بالنص إذ لم يبلغه ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال ،
وهذا ينقدح في كل مسألة فيها نص ، وفي كل اجتهاد يتعلق بتحقيق مناط الحكم ، كأروش
الجنايات ، وقدر كفاية الأقارب فإن فيها حقيقة متعينة عند الله تعالى وإن لم يكلف المجتهد
طلبها ، وهو جار في المسائل التي لا نص فيها عند من قال : في كل مسألة حكم متعين ، وأشبه
عند الله تعالى ، وسيأتي وجه فساده بعد هذا إن شاء الله تعالى
. الشبهة الرابعة : تمسكهم بقوله تعالى : * ( ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم ) * ( آل
عمران : 301 ) * ( تنازعوا فتفشلوا ) * ( الأنفال : 64 ) * ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) *
( آل عمران : 501 ) * ( ( 84 ) وكذلك ) * ( هود : 811 - 911 ) والاجماع
منعقد على الحث على الألفة والموافقة والنهي عن الفرقة ، فدل أن الحق واحد ومذهبكم أن
دين الله مختلف ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والجواب من أوجه :
الأول : أن اختلاف الحكم باختلاف الأحوال في العلم والجهل والظن كاختلافه باختلاف
السفر والإقامة والحيض والطهر والحرية والرق والاضطرار والاختيار . الثاني : أن الأمة
مجمعة على أنه يجب على المختلفين في الاجتهاد أن يحكم كل واحد بموجب اجتهاده ، وهو
مخالف لغيره ، والامر باتباع المختلف أمر بالاختلاف ، فهذا ينقلب عليكم إشكاله وإنما
يصح هذا السؤال من منكري أصل الاجتهاد . الثالث : وهو جواب منكري أصل الاجتهاد
المستصفى — صفحة 360
مساهمون: الغزالي
ص٣٦٠