76 ) وقال النبي عليه السلام : ولو نزل عذاب ما نجا منه إلا عمر لأنه كان قد أشار بالقتل
ولو كان قد حكم بالنص لما عوتب ، قلنا : لعله كان مخير بالنص في إطلاق الكل أو قتل
الكل أو فداء الكل ، فأشار بعض الأصحاب بتعيين الاطلاق على سبيل المنع عن غيره ، فنزل
العتاب مع الذي عينوا لا مع رسول الله ( ص ) ، لكن ورد بصيغة الجمع ، والمراد
به ، أولئك خاصة ، واحتجوا بأنه لما قال : يختلي خلاها ولا يعضد شجرها قال العباس :
إلا الإذخر ، فقال ( ص ) : إلا الإذخر وقال في الحج : هو للأبد ، ولو قلت
لعامنا لوجب ونزل منزلا للحرب فقيل له : إن كان بوحي فسمعا وطاعة . وإن كان باجتهاد
ورأي فهو منزل مكيدة فقال : بل باجتهاد ورأي فرحل ؟ قلنا : أما الإذخر فلعله كان نزل
الوحي بأن لا يستثنى الإذخر إلا عند قول العباس ، أو كان جبريل عليه السلام حاضرا فأشار
عليه بإجابة العباس ، وأما الحج فمعناه ، لو قلت لعامنا لما قلته إلا عن وحي ولوجب لا
محالة ، وأما المنزل فذلك اجتهاد في مصالح الدنيا ، وذلك جائز بلا خلاف إنما الخلاف في
أمور الدين أحتج المنكرون لذلك بأمور : أحدها : أنه لو كان مأمورا به لأجاب عن كل
سؤال ولما انتظر الوحي . الثاني : أنه لو كان مجتهدا لنقل ذلك عنه واستفاض . الثالث : أنه
لو كان لكان ينبغي أن يختلف اجتهاده ويتغير فيتهم بسبب تغير الرأي . قلنا : أما انتظار الوحي
فلعله كان حيث لم ينقدح له اجتهاد أو في حكم لا يدخله الاجتهاد أو نهي عن الاجتهاد فيه ،
وأما الاستفاضة بالنقل فلعله لم يطلع الناس عليه ، وإن كان متعبدا به ، أو لعله كان متعبدا
بالاجتهاد إذا لم ينزل نص وكان ينزل النص فيكون كمن تبعد بالزكاة والحج إن ملك النصاب
والزاد ، فلم يملك فلا يدل على أنه لم يكن متعبدا ، وأما التهمة بتغير الرأي فلا تعويل عليها ،
فقد اتهم بسب النسخ ، كما قال تعالى : * ( قالوا إنما أنت مفتر ) * ( النحل : 101 ) ولم يدل ذلك
على استحالة النسخ كيف وقد عورض هذا الكلام بجنسه ؟ فقيل لو لم يكن متعبدا بالاجتهاد
لفاته ثواب المجتهدين ، ولكان ثواب المجتهدين أجزل من ثوابه ، وهذا أيضا فاسد ، لان ثواب
تحمل الرسالة والأداء عن الله تعالى فوق كل ثواب . فإن قيل فهل يجوز التعبد بوضع
العبادات ونصب الزكوات وتقديراتها بالاجتهاد ؟ قلنا : لا محيل لذلك ، ولا يفضي إلى محال
ومفسدة ، ولا بعد في أن يجعل الله تعالى صلاح عباده فيما يؤدي إليه اجتهاد رسوله لو كان
الامر مبينا على الصلاح ومنع القدرية هذا وقالوا : إن وافق ظنه الصلاح في البعض فيمتنع
أن يوافق الجميع ، وهذا فساد ، لأنه لا يبعد أن يلقى الله في اجتهاد رسوله ما فيه صلاح عباده
هذا هو الجواز العقلي أما وقوعه فبعيد ، وإن لم يكن محالا بل الظاهر أن ذلك ، كله كان عن
وحي صريح ناص على التفصيل .
النظر الثاني : في أحكام الاجتهاد والنظر في حق المجتهد في تأثيمه وتخطئته وإصابته
وتحريم التقليد عليه ، وتحريم نقض حكمه الصادر عن الاجتهاد ، فهذه أحكام النظر . الأول :
في تأثيم المخطئ في الاجتهاد ، والاثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين إذا تمم
الاجتهاد في محله ، فكل اجتهاد تام إذا صدر من أهله وصادف محله فثمرته حق وصواب ،
والاثم عن المجتهد منفي ، والذي نختاره أن الاثم والخطأ متلازمان ، فكل مخطئ آثم وكل
المستصفى — صفحة 347
مساهمون: الغزالي
ص٣٤٧