كذا مهما ظننا ذلك . فإن قيل : الظن جهل إنما يجوز لضرورة العمل ، والعلة القاصرة لا يتعلق
بها عمل ، فلا يجوز الهجرة عليها برجم الظنون وعند هذا كاع بعض الأصحاب وقال : إن
كانت منصوصة جاز إضافة الحكم إليها في محل النص ، كالسرقة مثلا ، وإلا فلا ، ونحن نقول :
لا مانع من هذا الظن للفائدتين المذكورتين : إحداهما : استمالة القلوب إلى حسن التصديق
والانقياد وأكثر المواعظ على هذه الصفة ظنية ، وخلقت طباع الآدميين مطيعة للظنون بل
للأوهام ، وأكثر بواعث الناس على أعمالهم وعقائدهم في مصادرهم ومواردهم ظنون .
الفائدة الثانية : مدافعة العلة المعارضة له كما سبق .
خاتما لهذا الباب فيما يفسد العلة قطعا وما يفسدها ظنا واجتهادا
ومثارات فساد العلل القطعية أربعة :
الأول : الأصل ، وشروطه أربعة : الأول : أن يكون حكما شرعيا ، فإن كان عقليا فلا
يمكن أن يعلل بعلة تثبت حكما سمعيا . الثاني : أن يكون حكم الأصل معلوما بنص أو
إجماع ، فإن كان مقيسا على أصل فهو فرع ، فالقياس عليه باطل قطعا إن لم يكن الجامع هو
علة الأصل الأول ، وإن كان هو تلك العلة فتعيين الفرع مع إمكان القياس على الأصل عبث
بلا فائدة . والثالث : أن يكون الأصل قابلا للتعليل لا كوجوب شهر رمضان وتقدير صلاة
المغرب بثلاث ركعات وأمثاله ، وكان هذا فاسدا من جهة عدم الدليل على صحة العلة .
الرابع : أن يكون الأصل المستنبط منه غير منسوخ ، فإن المنسوخ كان أصلا ، وليس هو الآن
أصلا ، وليس من هذا القبيل قياس رمضان على صوم عاشوراء في التبييت ، فإن من سلم وجوبه
في ابتداء الاسلام وسلم افتقاره إلى التبييت لم يبعد أن يستشهد به على رمضان الذي أبدل
وجوب عاشوراء ، به ، فإن المنسوخ نفس الوجوب وليس نقيس في الوجوب ، لكن في مأخذ دلالة
الوجوب على الحاجة إلى التبييت ، وهذا أيضا وإن كان قريبا فلا يخلو عن نظر .
المثار الثاني : أن يكون من جهة الفرع ، وله وجوه ثلاثة : الأول : أن يثبت في الفرع
خلاف حكم الأصل ، مثاله قوله : بلغ برأس المال في السلم أقصى مراتب الأعيان ، فليبلغ بعوضه
أقصى مراتب الديون قياسا لاحد العوضين على الآخر ، فهذا باطل قطعا ، لأنه خلاف صورة
القياس ، إذ القياس لتعدية الحكم ، وليس هذا تعدية . الثاني : أن تثبت العلة في الأصل حكما
مطلقا ، ولا يمكن أن تثبت في الفرع إلا بزيادة أو نقصان ، فهو باطل قطعا ، لأنه ليس على صورة
تعدية : الحكم فلا يكون قياسا مثاله قولهم : شرع في صلاة الكسوف ركوع زائد ، لأنها صلاة
تشرع فيها الجماعة ، فتختص بزيادة كصلاة الجمعة ، فإنها تختص بالخطبة ، وصلاة العيد ، فإنها
تختص بالتكبيرات ، وهذا فاسد ، فإنه ليس يتمكن من تعدية الحكم على وجه وتفصيله . الثالث :
أن لا يكون الحكم اسما لغويا ، فقد بينا أن اللغة لا تثبت قياسا ، وتلك المسألة قطعية ، وربما
جعلها قوم مسألة اجتهادية ، وإثبات اسم الزنا والسرقة والخمر للائط والنباش والنبيذ من هذا
القبيل ، فكان هذا بالمثار الأول أليق .
المستصفى — صفحة 340
مساهمون: الغزالي
ص٣٤٠