ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشئ واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر فإنا نحكم على السواد
والبياض باللونية ، ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه بياض ، ولا عن البياض بأنه سواد ، ونظمه أن
يقال كل سواد لون ، وكل بياض لون ، فلا يلزم كل سواد بياض ، ولا كل بياض سواد ، نعم كل
شيئين أخبر عن أحدهما بما يخبر عن الآخر بنفيه يجب أن يكون بينهما انفصال وهو النفي .
النظم الثالث : أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتين ، وهذا يسميه الفقهاء نقضا ، وهذا
إذا اجتمعت شروطه أنتج نتيجة خاصة لا عامة ، مثاله قولنا : كل سواد عرض ، وكل سواد لون ،
فيلزم منه أن بعض العرض لون ، وكذلك لو قلت : كل بر مطعوم ، وكل بر ربوي ، فيلزم منه أن
بعض المطعوم ربوي ، ووجه دلالته أن الربوي والمطعوم شيئان ، حكمنا بهما على شئ واحد
وهو البر فالتقيا عليه ، وأقل درجات الالتقاء أن يوجب حكما خاصا وإن لم يكن عاما فأمكن
أن يقال : بعض المطعوم ربوي ، وبعض الربوي مطعوم .
النمط الثاني من البرهان : وهو نمط التلازم : يشتمل على مقدمتين ، والمقدمة الأولى
تشتمل على قضيتين ، والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر إحدى تينك القضيتين تسليما إما
بالنفي أو بالاثبات ، حتى تستنتج منه إحدى تينك القضيتين أو نقيضها ، ولنسم هذا نمط
التلازم ، ومثاله قولنا : إن كان العالم حادثا فله محدث ، فهذه مقدمة ، ومعلوم أنه حادث وهي
المقدمة الثانية ، فيلزم منه أن له محدثا ، والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف
الشرط لانفصلتا ، إحداهما قولنا : إن كان العالم حادثا ، والثانية قولنا فله محدث ، ولنسم
القضية الأولى المقدم ، ولنسم القضية الثانية اللازم والتابع ، والقضية : الثانية اشتملت على
تسليم عين القضية التي سميناها مقدما ، وهو قولنا : ومعلوم أن العالم حادث ، فتلزم منه
النتيجة ، وهو أن للعالم محدثا وهو عين اللازم ، ومثاله في الفقه قولنا : إن كان الوتر يؤدى على
الراحلة بكل حال فهو نفل ، ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة ، فثبت أنه نفل ، وهذا النمط يتطرق
إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان : أما المنتج فتسليم عين المقدم ينتج عين
اللازم ، مثاله قولنا : إن كانت هذه الصلاة صحيحة ، فالمصلي متطهر ، ومعلوم أن هذه الصلاة
صحيحة ، فيلزم أن يكون المصلي متطهرا ، ومثاله من الحس ، إن كان هذا سوادا فهو لون ،
ومعلوم أنه سواد فإذا هو لون . وأما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم ، فإنه ينتج نقيض
المقدم ، مثاله قولنا : إن كانت هذه الصلاة صحيحة ، فالمصلي متطهر ، ومعلوم أن المصلي
غير متطهر ، فينتج أن الصلاة غير صحيحة ، وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم بصريح
الالزام ، ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الالزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح ، ووجه دلالة هذا
النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال ، وهذا يفضي إلى المحال ، فهو إذا
محال كقولنا ، لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا على العرش لكان إما مساويا للعرش أو
أكبر أو أصغر ، وكل ذلك محال ، فما يفضي إليه محال ، وهذا يفضي إلى المحال ، فهو إذا
محال . وأما الذي لا ينتج فهو تسليم عين اللازم ، فإنا لو قلنا إن كانت الصلاة صحيحة
فالمصلي متطهر ومعلوم أن المصلي متطهر ، فلا يلزم منه لا صحة الصلاة ، ولا فسادها إذ قد
تفسد الصلاة بعلة أخرى . وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج عين اللازم ولا نقيضه ، فإنا
المستصفى — صفحة 33
مساهمون: الغزالي
ص٣٣