والكبير ، والأشهب والكميت ، والبعيد منه في المكان والقريب ، بل يدرك الفرسية المجردة
المطلقة ، متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها ، فإن القدر المخصوص واللون المخصوص
ليس للفرس ذاتيا ، بل عارضا أو لازما في الوجود ، إذ مختلفات اللون والقدر تشترك في حقيقة
الفرسية ، وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون
بالأحوال والوجوه والاحكام ، ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ، ويزعمون أنها
موجودة في الأذهان لا في الأعيان ، وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من خارج ، بل من
داخل ، يعنون خارج الذهن وداخله ، ويقول أرباب الأحوال إنها أمور ثابتة ، تارة يقولون إنها
موجودة معلومة ، وتارة يقولون لا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة ، وقد دارت فيه رؤوسهم
وحارت عقولهم ، والعجب أنه أول منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس ، إذ من هاهنا
يأخذ العقل الانساني في التصرف ، وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل
الانساني ، ومن تحير في أول منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته .
الفصل الثالث من السوابق في أحكام المعاني المؤلفة قد نظرنا في مجرد اللفظ ، ثم
في مجرد المعنى ، فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب ،
كقولنا مثلا : العالم حادث ، والباري تعالى قديم ، فإن هذا يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين
معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى ، إما بالاثبات ، كقولك : العالم حادث ، أو
بالسلب كقولك : العالم ليس بقديم . وقد التأم هذا من جزأين ، يسمي النحويون أحدهما مبتدأ
والآخر خبرا ، ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا ، والآخر موصوفا ، ويسمي المنطقيون
أحدهما موضوعا ، والآخر محمولا ، ويسمي الفقهاء أحدهما حكما ، والآخر محكوما عليه ،
ويسمي المجموع قضية ، وأحكام القضايا كثيرة ، ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة إليه وتضر
الغفلة عنه ، وهو حكمان : الأول : إن القضية تنقسم بالإضافة إلى المقضى عليه إلى التعيين
والاهمال والعموم والخصوص ، فهي أربع : الأولى : قضية في عين ، كقولنا : زيد كاتب
وهذا السواد عرض . الثانية : قضية مطلقة خاصة ، كقولنا : بعض الناس عالم ، وبعض الأجسام
ساكن . الثالثة : قضية مطلقة عامة ، كقولنا : كل جسم متحيز وكل سواد لون . الرابعة : قضية
مهملة ، كقولنا : الانسان في خسر . وعلة هذه القسمة أن المحكوم عليه إما أن يكون عينا
مشارا إليه أو لا يكون عينا فإن لم يكن عينا فإما أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته ، فتكون
مطلقة عامة ، أو بجزئيته فتكون خاصة ، أو لا يحصر بسور فتكون مهملة ، والسور هو قولك " كل "
وبعض ، وما يقوم مقامهما ، ومن طرق المغالطين في النظر استعمال المهملات بدل القضايا
العامة ، فإن المهملات قد يراد بها الخصوص والعموم ، فيصدق طرفا النقيض ، كقولك :
الانسان في خسر ، تعني الكافر ، الانسان ليس في خسر ، تعني الأنبياء ، ولا ينبغي أن يسامح
بهذا في النظريات ، مثاله أن يقول الشفعوي مثلا : معلوم أن المطعوم ربوي والسفرجل
مطعوم ، فهو إذا ربوي ، فإن قيل : لم قلت المطعوم ربوي ؟ فتقول : دليله البر والشعير والتمر
بمعنى ، فإنها مطعومات ، وهي ربوية ، فينبغي أن يقال : فقولك المطعوم ربوي أردت به كل
المطعومات أو بعضها ، فإن أردت البعض لم تلزم النتيجة ، إذ يمكن أن يكون السفرجل من
المستصفى — صفحة 29
مساهمون: الغزالي
ص٢٩