وقال في العول : من شاء باهلته الحديث ، ولما سمع نهيه عن بيع الطعام قبل أن يقبض
قال : لا أحسب كل شئ إلا مثله ، وقال في المتطوع : إذا بدا له الافطار أنه كالمتبرع أراد
التصدق بمال فتصدق ببعضه ثم بدا له . ومن ذلك قول زيد في الفرائض والحجب وميراث
الجد ، ولما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين قال ابن عباس : أين وجدت في
كتاب الله ثلث ما بقي ؟ فقال زيد : أقول برأيي وتقول برأيك ، فهذا وأمثاله مما لا يدخل تحت
الحصر مشهور ، وما من مفت إلا وقد قال بالرأي ومن لم يقل فلانه أغناه غيره عن الاجتهاد
ولم يعترض عليهم في الرأي فانعقد اجماع قاطع على جواز القول بالرأي .
وجه الاستدلال : أنه في هذه المسائل التي اختلفوا واجتهدوا فيها ، فلا يخلوا إما أن يكون
فيها دليل قاطع لله على حكم معين أو لم يكن ، فإن لم يكن وقد حكموا بما ليس بقاطع فقد
ثبت الاجتهاد ، وإن كان فمحال ، إذ كان يجب على من عرف الدليل القاطع أن لا يكتمه ، ولو
أظهره وكان قاطعا لما خالفه أحد ، ولو خالفه لوجب تفسيقه وتأثيمه ونسبته إلى البدعة والضلال
ولوجب منعه من الفتوى ومنع العامة من تقليده ، هذا أقل ما يجب فيه إن لم يجب قتله ، وقد
قال به قوم ، وإن كنا لا نراه ، وعلى الجملة : فلو كان فيها دليل قاطع لكان المخالف فاسقا ، وكان
المحق بالسكوت عن المخالف ، وترك دعوته إلى الحق فاسقا ، فيعم الفسق جميع الصحابة بل
يعم العباد جميعهم ، وليس هذا كالعقليات ، فإن أدلتها غامضة قد لا يدركها بعض الخلق فلا
يكون معاندا ، أما القاطع الشرعي فهو نص ظاهر ، وقد قال أهل الظاهر : إنما يحكم بنص
منطوق به أو بدليل ظاهر فيما ليس منطوقا به لا يحتمل التأويل ، كقوله تعالى : * ( وورثه أبواه
فلأمه الثلث ) * ( النساء : 11 ) فمعقول هذا أن لأبيه الثلثين ، وقوله تعالى : * ( فاسعوا إلى ذكر
الله ) * ( الجمعة : 9 ) فمعقوله تحريم التجارة والجلوس في البيت ، وقوله : * ( ولا تظلمون
فتيلا ) * ( النساء : 77 ) و * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * ( الزلزلة : 7 ) و * ( فلا تقل لهما أف )
* ( الاسراء : 32 ) فلم يرخص في الحكم في المسكوت عنه إلا في هذا الجنس ، ولا يخفى
هذا على عامي ، فكيف خفي على الصحابة رضي الله عنهم مع جلالة قدرهم حتى نشأ
الخلاف بينهم في المسائل ، هذا تمهيد الدليل وتمامه بدفع الاعتراضات ، وقد يعترض
الخصم عليه تارة بإنكار كون الاجماع حجة ، وهو قول النظام ، وقد فرغنا من إثباته ، وتارة بإنكار
تمام الاجماع في القياس ، من حيث أن ما ذكرناه منقول عن بعضهم ، وليس للباقين إلا
السكوت ، وقد نقلوا عن بعضهم إنكار الرأي ، وتارة يسلمون السكوت ، لكن حملوه على
المجاملة في ترك الاعتراض ، لا على الموافقة في الرأي ، وتارة يقرون بالاجماع ، ولا يكترثون
بتفسيق الصحابة ، وتارة يردون رأيهم إلى العمومات ، ومقتضى الألفاظ وتحقيق مناط الحكم
دون القياس ، فهذه مدارك اعتراضاتهم وهي خمسة .
الاعتراض الأول : قال الجاحظ حكاية عن النظام : إن الصحابة لو لزموا العمل بما
أمروا به ولم يتكلفوا ما كفوا القول فيه من أعمال الرأي والقياس لم يقع بينهم التهارج
والخلاف ، ولم يسفكوا الدماء ، لكن لما عدلوا عما كلفوا وتخيروا وتآمروا وتكلفوا القول
بالرأي جعلوا الخلاف طريقا ، وتورطوا فيما كان بينهم من القتل والقتال ، وكذلك الرافضة
المستصفى — صفحة 288
مساهمون: الغزالي
ص٢٨٨