لو قال الشارع : حرمت كل مسكر ، أو حرمت الخمر لكونه مسكرا ، لم يكن التعبد به ممتنعا ،
فلو قال : متى حرمت الربا في البر فأسيروا حاله ، وقسموا صفاته ، فإن غلب على ظنكم بإمارة
أني حرمته لكونه قوتا ، وحرمت الخمر لكونه مسكرا ، فقد حرمت عليكم كل قوت وكل مسكر ،
ومن غلب على ظنه أني حرمته لكونه مكيلا فقد حرمت عليه كل مكيل ، لم يكن بين هذا وبين
قوله إذا اشتبهت عليكم القبلة ، فكل جهة غلب على ظنكم أن القبلة فيها فاستقبلوها فرق
حتى لو غلب جهتان على ظن رجلين فيكون كل واحد مصيبا ، وكما لم يمتنع أن يلحق ظن
القبلة بمشاهدتها ، وظن صدق العدل بتحقيق صدق الرسول المؤيد بالمعجزة وصدق الراوي
الواحد بتحقيق صدق التواتر ، فكذلك لا يمتنع أن يلحق ظن ارتباط الحكم بمناط بتحقيق
ارتباطه به بالنص الصريح ، فإن قيل : فأي مصلحة في تحريم الربا في البر لكونه مكيلا أو
قوتا أو مطعوما قلنا : ومن أوجب الأصلح لم يشترط كون المصلحة مكشوفة للعباد ، وأي
مصلحة في تقدير المغرب ثلاث ركعات والصبح بركعتين ، وفي تقدير الحدود والكفارات
ونصب الزكوات بمقادير مختلفة لكن علم الله تعالى في التعبد لطفا استأثر بعلمه يقرب
العباد بسببه من الطاعة ، ويبعدون به عن المعصية وأسباب الشقاوة ، حتى لو أضاف الحكم إلى
اسم مجرد ثبت واعتقدنا فيه لطفا ندركه فكيف لا يتصور ذلك في الأوصاف ؟ الشبهة
الثانية : قولهم لا يستقيم قياس إلا بعلة ، والعلة ما توجب الحكم لذاتها ، وعلل الشرع
ليست كذلك ، فكيف يستقيم التعليل مع أن ما نصب علة للتحريم يجوز أن يكون علة
للتحليل ؟ قلنا : لا معنى لعلة الحكم إلا علامة منصوبة على الحكم ، ويجوز أن ينصب
الشرع السكر علامة لتحريم الخمر ويقول : اتبعوا هذه العلامة واجتنبوا كل مسكر ، ويجوز أن
ينصبه علامة للتحليل أيضا ، ويجوز أن يقول : من ظن أنه علامة للتحليل فقد حللت له كل
مسكر ومن ظن أنه علامة للتحريم فقد حرمت عليه كل مسكر حتى يختلف المجتهدون في
هذه الظنون ، وكلهم مصيبون . الشبهة الثالثة : قولهم حكم الله تعالى خبره ، ويعرف ذلك
بتوقيف ، فإذا لم يخبر الله عن حكم الزبيب فكيف يقال : حكم الله في الزبيب التحريم
والنص ، لم ينطق إلا بالأشياء الستة ، قلنا : إذا قال الله تعالى : قد تعبدتكم بالقياس فإذا
ظننتم أني حرمت الربا في البر لكونه مطعوما فقيسوا عليه كل مطعوم ، فيكون هذا خبرا عن
حكم الزبيب ، وما لم يقم دليل على التعبد بالقياس لا يجوز القياس عندنا فالقياس عندنا
حكم بالتوقيف المحض كما قررناه في كتاب أساس القياس ، لكن هذا النص بعينه وإن لم
يرد فقد دل إجماع الصحابة على القياس ، على أنهم ما فعلوا ذلك إلا وقد فهموا من الشارع
هذا المعنى بألفاظ وقرائن وإن لم ينقلوها إلينا . الشبهة الرابعة : قولهم إذا اشتبهت رضيعة
بعشر أجنبيات أو ميتة بعشر مذكيات لم يجز مد اليد إلى واحدة ، وإن وجدت علامات لامكان
الخطأ والخطأ ممكن في كل اجتهاد وقياس ، فكيف يجوز الهجوم مع إمكان الخطأ ، ولا يلزم
هذا على الاجتهاد في القبلة ، وعدالة الشاهد والقاضي والامام ومتولي الأوقاف لمعنيين .
أحدهما : أن ذلك حكم في الاشخاص والأعيان ولا نهاية لها ، ولا يمكن تعريفها بالنص .
والثاني : أن الخطأ فيه غير ممكن ، لأنهم متعبدون بظنونهم لا بصدق الشهود ، قلنا : وكذلك
المستصفى — صفحة 284
مساهمون: الغزالي
ص٢٨٤