وبيانه : بالقول أو الفعل ، وهو مخير بينهما ، فإذا أتى بالفعل فقد أتى بإحدى خصلتي الواجب
فيكون فعله ، واقعا عن الواجب ، فإن قيل : وبم يعرف كون فعله بيانا ؟ قلنا : إما بصريح قوله
وهو ظاهر ، أو بقرائن ، وهي كثيرة . إحداها : أن يرد خطاب مجمل ولم يبينه بقوله إلى وقت
الحاجة ، ثم فعل عند الحاجة والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان ، فيعلم أنه بيان ، إذا لم يكن
لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة ، وذلك محال عقلا عند قوم وسمعا عند آخرين ، وكونه
غير واقع متفق عليه ، لكن كون الفعل متعينا للبيان ، يظهر للصحابة ، إذ قد علموا عدم البيان
بالقول ، أما نحن فيجوز أن يكون قد بين بالقول ولم يبلغنا ، فيكون الظاهر عندنا أن الفعل
بيان ، فقطع يد السارق من الكوع وتيممه إلى المرفقين ، بيان لقوله عز وجل : * ( فاقطعوا
أيديهما ) * ( المائدة : 83 ) ولقوله تعالى : * ( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ) * ( المائدة : 6 )
الثانية : أن ينقل فعل غير مفصل ، كمسحه رأسه وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا
بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لأذنيه ماء جديدا ، فهذا في الظاهر يزيل الاحتمال
عن الأول ، ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد ، وأن المستحب ماء جديدا فيكون أحد الفعلين
على الأقل ، والثاني على الأكمل .
الثالثة : أن يترك ما لزمه فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه ، أما في حق غيره فلا يثبت
النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم ، نعم لو ترك غيره بين يديه فلم ينكر مع معرفته فيدل
على النسخ في حق الغير .
الرابعة : أنه إذا أتى بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع فيدل على تخصيص
الآية ، لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع ، لأنه لو أتى بسارق سيف فلم
يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ولا في الحديد ، لكن يبحث عن سببه ، فكذلك
الثمر وما دون النصاب ، وكذلك تركه القنوت والتسمية والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على
النسخ ، إذ يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة ، وإن ترك مرات دل على عدم
الوجوب ، وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة .
الخامسة : إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لأفسد الصلاة دل على الوجوب ،
كزيادة ركوع في الخسوف ، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل القليل لا يبطل وأنه
فعل قليل هذا مع قوله : صلوا كما رأيتموني أصلي يكون بيانا في حقنا .
السادسة : إذا أمر الله تعالى بالصلاة وأخذ الجزية والزكاة مجملا ثم أنشأ الصلاة وابتدأ
بأخذ الجزية فيظهر كونه بيانا وتنفيذا ، لكن إن لم تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير
البيان فلا يتعين لكونه بيانا ، بل يحتمل أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت ، فإذا لا
يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى .
السابعة : أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه به ضربا أو نوع عقوبة ، فإنه له خاصة ما لم
ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال ، فإنه لا يمتنع ، لأنه وإن تقدم ذلك
المستصفى — صفحة 278
مساهمون: الغزالي
ص٢٧٨