متأخرا عنه ، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة ، وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق اصطلاح
آخر فلا تلتفت إلى الألفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس .
الضرب الخامس هو المفهوم ، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشئ بالذكر على نفي
الحكم عما عداه ، ويسمى مفهوما ، لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق ، وإلا فما دل عليه
المنطوق أيضا مفهوم ، وربما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى الأسامي ، وحقيقته أن
تعليق الحكم بأحد ، وصفي الشئ هل يدل على نفيه عما يخالفه في الصفة ؟ كقوله تعالى :
* ( ومن قتله منكم متعمدا ) * ( المائدة : 59 ) وكقوله عليه السلام : في سائمة الغنم الزكاة
والثيب أحق بنفسها من وليها ومن باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع فتخصيص العمد
والسوم والثيوبة والتأبير بهذه الأحكام هل يدل على نفي الحكم عما عداها ؟ فقال الشافعي
وما لك والأكثرون من أصحابهما : أنه يدل ، وإليه ذهب الأشعري ، إذا احتج في إثبات خبر
الواحد بقوله تعالى : * ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) * ( الحجرات : 6 ) قال : هذا يدل على أن
العدل بخلافه ، واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى : * ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ
لمحجوبون ) * ( المطففين : 51 ) قال : وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم ، وقال جماعة
من المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء ، ومنهم ابن شريح : إن ذلك لا
دلالة له وهو الأوجه عندنا . ويدل عليه مسالك .
الأول : أن إثبات زكاة السائمة مفهوم ، أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من مجرد الاثبات
لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة متواترا وجار مجرى المتواتر والجاري مجرى المتواتر ،
كعلمنا بأن قولهم : ضروب وقتول وأمثاله للتكثير وأن قولهم : عليم وأعلم وقدير وأقدر
للمبالغة ، أعني الأفعل ، أما نقل الآحاد فلا يكفي ، إذ الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله
تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط لا سبيل إليه ، فإن قيل : فمن نفي المفهوم افتقر إلى نقل
متواترا أيضا ؟ قلنا : لا حاجة إلى حجة ، فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يتناهى ، إنما الحجة على
من يدعي الوضع .
الثاني : حسن الاستفهام . فإن من قال : إن ضربك زيد عامدا فاضربه ، حسن أن يقول :
فإن ضربني خاطئا أفأضربه ؟ وإذا قال أخرج الزكاة من ماشيتك السائمة حسن أن يقول :
هل أخرجها من المعلوفة ، وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم ، فإنه لا يحسن في
المنطوق وحسن في المسكوت عنه ، فإن قيل : حسن لأنه قد لا يراد به النفي مجازا ، قلنا :
الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة ، وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل ولا دليل .
المسلك الثالث أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة المسكوت عنه
للمنطوق ، وتارة مع المخالفة ، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق ، والنفي عن المسكوت
محتمل ، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة ، ودليل آخر أما دعوى كونه مجازا عند
الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل يعارضه عكسه من غير ترجيح .
المسلك الرابع أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف ، فإذا قال : قام
المستصفى — صفحة 265
مساهمون: الغزالي
ص٢٦٥