مكلفا بما لم يبلغه . الشبهة الثانية : قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل فإنه
يعتقد العموم وهو جهل ، قلنا جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه ، بل ينبغي أن يعتقد
أن ظاهره العموم وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو
يظهر له انتفاؤه ، لأنه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ولا خاص ، أو هو عام
وخاص معا ، فكل ذلك جهل ، فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل
للخصوص ، وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال : قوله : * ( فتحرير رقبة )
* ( النساء : 92 ، المجادلة : 3 ) يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا ،
وقوله : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 92 ) يجب اعتقاد إجزائه قطعا ، حتى يكون اشتراط
الطهارة بدليل آخر نسخا ، وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا ، أو يتوقف عن القطع والجزم
نفيا وإثباتا ، فإنه ليس بقاطع .
الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه فإن قال قائل :
إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص ، فمتى يتبين له ذلك : وهل يشترط أن
يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا ؟ قلنا : لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم
بالعموم قبل البحث عن الأدلة العشرة التي أوردناها في المخصصات ، لان العموم دليل
بشرط انتفاء المخصص ، والشرط بعد لم يظهر ، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل ، فهو
دليل بشرط السلامة عن المعارضة ، فلا بد من معرفة الشرط ، وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين
الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثم
يحكم بالقياس ، وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث ، ولكن المشكل أنه إلى متى يجب
البحث فإن المجتهد وإن استقصى أمكن أن يشذ عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم مع
إمكانه ، أو كيف ينحسم سبيل إمكانه ، وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب : فقال
قوم : يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء عند الاستقصاء في البحث ، كالذي يبحث عن
متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده ، فيغلب على ظنه عدمه ، وقائل يقول : لا بد من اعتقاد
جازم وسكون نفس بأنه لا دليل ، أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره
إمكانه ، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراما ؟ نعم إذا اعتقد جزما وسكنت
نفسه إلى الدليل جاز له الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا ، كما لو سكنت نفسه إلى القبلة
فصلى إليها ، وقال قوم : لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة ، وإليه ذهب القاضي لان الاعتقاد
الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل ، بل العالم الكامل يشعر نفسه بالاحتمال حيث
لا قاطع ولا تسكن نفسه ، والمشكل على هذا طريق تحصيل القطع بالنفي ، وقد ذكر فيه
القاضي مسلكين : أحدهما : إنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات
قوله : لا يقتل مؤمن بكافر مثلا : فقال هذه مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم
فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت
بطلانها ، فأقطع بأن لا مخصص لها ، وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : إنه حجر على
الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر الخوض فيها ولم يطل البحث عنها ، ولا
المستصفى — صفحة 256
مساهمون: الغزالي
ص٢٥٦