إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة ، وهو كالمهم المحتاج إليه ، إذ ما يصوره الشرع من
العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة ، ولا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف فيه ، وأما
ما استدل به من أن القرآن عربي ، فهذا لا يخرج هذه الأسامي عن أن تكون عربية ، ولا يسلب
اسم العربي عن القرآن ، فإنه لو اشتمل على مثل هذه الكلمات بالعجمية لكان لا يخرجه عن
كونه عربيا أيضا ، كما ذكرناه ، في القطب الأول من الكتاب . وأما قوله : إنه كان يجب عليه
التوقيف على تصرفه ، فهذا أيضا ، إنما يجب إذا لم يفهم مقصوده من هذه الألفاظ بالتكرير
والقرائن مرة بعد أخرى ، فإذا فهم هذا فقد حصل الغرض فهذا أقرب عندنا بما ذكره
القاضي رحمه الله .
الفصل الخامس في الكلام المفيد اعلم أن الأمور منقسمة إلى ما يدل على غيره
وإلى ما لا يدل ، فأما ما يدل فينقسم إلى ما يدل بذاته ، وهو الأدلة العقلية وقد ذكرنا مجامع
أقسامها في مدارك العقول من مقدمة الكتاب ، وإلى ما يدل بالوضع ، وهو ينقسم إلى صوت
وغير صوت ، كالإشارة والرمز ، والصوت ينقسم في دلالته إلى مفيد وغير مفيد ، والمفيد
كقولك : زيد قائم ، وزيد خرج راكبا ، وغير المفيد كقولك : زيد لا وعمرو في ، فإن هذا لا
يحصل منه معنى ، وإن كان آحاد كلماته موضوعة للدلالة ، وقد اختلف في تسمية هذا كلاما ،
فمنهم من قال : هو كمقلوب رجل وزيد لجر وديز ، فإن هذا لا يسمى كلاما ، ومنهم من سماه
كلاما ، لان آحاده وضعت للإفادة . واعلم أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام : اسم ، وفعل ، وحرف
، كما في علم النحو ، وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين أسند أحدهما إلى الآخر ،
نحو : زيد أخوك ، والله ربك ، أو اسم أسند إلى فعل ، نحو قولك : ضرب زيد وقام عمرو ، وأما
الاسم والحرف كقولك : زيد من وعمرو في فلا يفيد حتى تقول من مضر وفي الدار ،
وكذلك قولك : ضرب قام لا يفيد إذ لم يتخلله اسم ، وكذلك قولك : من في قد على . واعلم
أن المركب من الاسم والفعل والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل بالإفادة من كل وجه ،
وإلى ما لا يستقل بالإفادة إلا بقرينة ، وإلى ما يستقل بالإفادة من وجه دون وجه ، مثال الأول
قوله تعالى : * ( ذلك ) * ( الاسراء : 23 ) ، * ( ولا تقتلوا أنفسكم ) * ( النساء : 92 ) وذلك
يسمى نصا لظهوره ، والنص في السير هو الظهور فيه ، ومنه منصة العروس للكرسي الذي
تظهر عليه ، والنص ضربان ضرب هو نص بلفظه ومنظومه ، كما ذكرناه ، وضرب هو نص
بفحواه ومفهومه ، نحو قوله تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ) * ( الاسراء : 32 ) * ( ولا تظلمون فتيلا ) *
( النساء : 77 ) * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * ( الزلزلة : 7 ) * ( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا
يؤده إليك ) * ( آل عمران : 57 ) . فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب
والشتم وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة والفتيل
والتأفيف ، ومن قال : إن هذا معلوم بالقياس ، فإن أراد به أن المسكوت عنه عرف
بالمنطوق فهو حق ، وإن أراد به أن يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق إليه احتمال فهو غلط ، وأما
الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى : * ( أو يعفوا الذي بيده ) * ( البقرة : 237 )
وقوله : * ( ثلاثة قروء ) * ( البقرة : 822 ) وكل لفظ مشترك ومبهم ، وكقوله : رأيت أسدا وحمارا
المستصفى — صفحة 184
مساهمون: الغزالي
ص١٨٤