اختلف قول الشافعي في مسألة الوليين ، ولو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء العقد فليس
ذلك حكما بمجرد مصلحة ، لا يعتضد بأصل معين ، بل تشهد له الأصول المعينة ، أما تباعد
الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي ، ولم يبلغنا خلاف عن العلماء ، وقد أوجب الله
تعالى التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن من المحيض ، وليست هذه من الآيسات ، ما من
لحظة إلا ويتوقع فيها هجوم الحيض وهي شابة ، فمثل هذا القدر النادر لا يسلطنا على
تخصيص النص ، فإنا لم نر الشرع يلتفت إلى النوادر في أكثر الأحوال ، وكان لا يبعد عندي
لو اكتفي بأقصى مدة الحمل وهو أربع سنين ، لكن لما أوجبت العدة مع تعليق الطلاق على
يقين البراءة غلب التعبد فإن قيل : فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم
أوردتم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة ، فليلحق هذا بالأصول الصحيحة ليصير
أصلا خامسا بعد الكتاب والسنة والاجماع والعقل ، قلنا : هذا من الأصول الموهومة ، إذ
من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ ، لأنا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ، ومقاصد
الشرع تعرف بالكتاب والسنة والاجماع ، فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود ، فهم من
الكتاب والسنة والاجماع ، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع ، فهي
باطلة مطرحة ، ومن صار إليها فقد شرع ، كما أن من استحسن فقد شرع ، وكل مصلحة
رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة والاجماع ، فليس خارجا
من هذه الأصول ، لكنه لا يسمى قياسا ، بل مصلحة مرسلة ، إذ القياس أصل معين ، وكون هذه
المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد ، بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن
الأحوال وتفاريق الامارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة ، وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة
على مقصود الشرع ، فلا وجه للخلاف في اتباعها ، بل يجب القطع بكونها حجة ، وحيث ذكرنا
خلافا فذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين ، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى ، ولذلك قطعنا
بكون الاكراه مبيحا لكلمة الردة ، وشرب الخمر ، وأكل مال الغير ، وترك الصوم والصلاة ، لان
الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور ، ولا يباح به الزنا ، لأنه مثل محذور الاكراه ، فإذا
منشأ الخلاف في مسألة الترس الترجيح ، إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة
السفينة ، ورجح الكل على الجزء في قطع اليد المتأكلة ، وهل يرجح الكلي على الجزئي في
مسألة الترس ؟ فيه خلاف ولذلك يمكن إظهار هذه المصالح في صيغة البرهان ، إذ تقول
في مسألة الترس مخالفة مقصود الشرع حرام وفي الكف عن قتال الكفار ، مخالفة لمقصود
الشرع . فإن قيل : لا ننكر أن مخالفة مقصود الشرع حرام ، ولكن لا نسلم أن هذه مخالفة ؟
قلنا : قهر الكفار واستعلاء الاسلام مقصود ، وفي هذا استئصال الاسلام واستعلاء الكفر ، فإن
قيل : فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود ، وفي هذا مخالفة المقصود ؟ قلنا : هذا
مقصود ، وقد اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ، ولا بد من الترجيح ، والجزئي محتقر
بالإضافة إلى الكلي ، وهذا جزئي بالإضافة ، فلا يعارض بالكلي ، فإن قيل : مسلم أن هذا
جزئي ، ولكن لا يسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي ، فاحتقار الشرع له يعرف بنص أو
قياس على منصوص ؟ قلنا : قد عرفنا ذلك لا بنص واحد معين ، بل بتفاريق أحكام واقتران
المستصفى — صفحة 179
مساهمون: الغزالي
ص١٧٩