تجويز بعثته بمثل تلك الشريعة إذا كانت قد اندرست ، وإرساله بمثلها إذا كانت قد اشتملت
على زوائد ، وأن يكون الأول مبعوثا إلى قوم ، والثاني مبعوثا إليهم وإلى غيرهم ، ولعلهم
يخالفون إذا كانت الأولى غضة طرية ، ولم تشتمل الثانية على مزيد ، فنقول : يدل على جوازه
ما يدل على جواز نصب دليلين وبعثة رسولين معا ، كما قال تعالى : * ( إذ أرسلنا إليهم اثنين
فكذبوهما فعززنا بثالث ) * ( يس : 41 ) وكما أرسل موسى وهارون وداود وسليمان ، بل كخلق
العينين مع الاكتفاء في الابصار بإحداهما ، ثم كلامهم بناء على طلب الفائدة في أفعال الله
تعالى ، وهو تحكم . أما الوقوع السمعي : فلا خلاف في أن شرعنا ليس بناسخ جميع الشرائع
بالكلية ، إذ لم ينسخ وجوب الايمان ، وتحريم الزنا والسرقة والقتل والكفر ، ولكن حرم عليه
( ص ) هذه المحظورات بخطاب مستأنف ، أو بالخطاب الذي نزل إلى غيره
وتعبد باستدامته ، ولم ينزل عليه الخطاب إلا بما خالف شرعهم ، فإذا نزلت واقعة لزمه اتباع
دينهم ، إلا إذا أنزل عليه وحي مخالف لما سبق ، فإلى هذا يرجع الخلاف والمختار أنه لم
يتعبد ( ص ) بشريعة من قبله ويدل عليه أربعة مسالك :
المسلك الأول : أنه ( ص ) لما بعث معاذا إلى اليمن ، قال له : بم تحكم ؟
قال : بالكتاب والسنة والاجتهاد ، ولم يذكر التوراة والإنجيل وشرع من قبلنا ، فزكاه رسول الله
( ص ) وصوبه ، ولو كان ذلك من مدارك الأحكام لما جاز العدول إلى الاجتهاد
إلا بعد العجز عنه ، فإن قيل : إنما لم يذكر التوراة والإنجيل ، لان في الكتاب آيات تدل على
الرجوع إليهما ؟ قلنا : سنبين سقوط تمسكهم بتلك الآيات ، بل فيه قوله تعالى : * ( لكل جعلنا
منكم شرعة ومنهاجا ) * ( المائدة : 84 ) وقال ( ص ) : لو كان موسى حيا لما
وسعه إلا اتباعي ثم نقول في الكتاب ما يدل على اتباع السنة والقياس ، فكان ينبغي أن
يقتصر على ذكر الكتاب ، فإن شرع في التفصيل كانت الشريعة السابقة أهم مذكور ، فإن
قيل : اندرجت التوراة والإنجيل تحت الكتاب ، فإنه اسم يعم كل كتاب ؟ قلنا : إذا ذكر الكتاب
والسنة لم يسبق إلى فهم المسلمين شئ سوى القرآن وكيف يفهم غيره ولم يعهد من معاذ
قط تعلم التوراة والإنجيل ، والعناية بتمييز المحرف عن غيره ، كما عهد منه تعلم القرآن ؟ ولو
وجب ذلك لتعلمه جميع الصحابة ، لأنه كتاب منزل لم ينسخ إلا بعضه ، وهو مدرك بعض الأحكام
، ولم يتعهد حفظ القرآن ، إلا لهذه العلة ، وكيف وطالع عمر رضي الله عنه ورقة من
التوراة ، فغضب ( ص ) حتى احمرت عيناه وقال : لو كان موسى حيا ما وسعه إلا
اتباعي ؟ .
المسلك الثاني : أنه ( ص ) لو كان متعبدا بها للزمه مراجعتها والبحث
عنها ، وكان لا ينتظر الوحي ، ولا يتوقف في الظهار ورمي المحصنات والمواريث ، ولكان
يرجع أولا إليها ، لا سيما أحكام هي ضرورة كل أمة ، فلا تخلو التوراة عنها ، فإن لم يراجعها
لاندراسها وتحريفها فهذا يمنع التعبد ، وإن كان ممكنا فهذا يوجب البحث والتعلم ولم يراجع
قط إلا في رجم اليهود ليعرفهم أن ذلك ليس مخالفا لدينهم .
المستصفى — صفحة 166
مساهمون: الغزالي
ص١٦٦