المجتهد المطلع على مدارك الأدلة القادر على الاستقصاء ، كالذي يقدر على التردد في بيته
لطلب متاع إذا فتش وبالغ ، أمكنه أن يقطع بنفي المتاع ، أو يدعي غلبة الظن ، أما الأعمى الذي
لا يعرف البيت ولا يبصر ما فيه فليس له أن يدعي نفي المتاع من البيت ، فإن قيل : وهل
للاستصحاب معنى سوى ما ذكرتموه ؟ قلنا : يطلق الاستصحاب على أربعة أوجه يصح ثلاثة
منها : الأول : ما ذكرناه . والثاني : استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب
النص إلى أن يرد نسخ ، أما العموم فهو دليل عند القائلين به ، وأما النص فهو دليل على دوام
الحكم بشرط أن لا يرد نسخ ، كما دل العقل على البراءة الأصلية ، بشرط أن لا يرد سمع مغير .
الثالث : استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه ، كالملك عند جريان العقد المملك
وكشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ، فإن هذا وإن لم يكن حكما أصليا فهو حكم
شرعي دل الشرع على ثبوته ودوامه جميعا ولولا دلالة الشرع على دوامه إلى حصول براءة
الذمة لما جاز استصحابه ، فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دل الدليل على ثبوته ودوامه
بشرط عدم المغير ، كما دل على البراءة العقل وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي ،
ومن هذا القبيل الحكم بتكرر اللزوم والوجوب إذا تكررت أسبابها ، كتكرر شهر رمضان
وأوقات الصلوات ، ونفقات الأقارب عند تكرر الحاجات ، إذا أفهم انتصاب هذه المعاني أسبابا
لهذه الأحكام من أدلة الشرع إما بمجرد العموم عند القائلين به أو بالعموم وجملة من القرائن
عند الجميع ، وتلك القرائن تكريرات وتأكيدات وإمارات عرف حملة الشريعة قصد الشارع
إلى نصبها أسبابا ، إذا لم يمنع مانع ، فلولا دلالة الدليل على كونها أسبابا لم يجز استصحابها ،
فإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي ، وليس راجعا إلى عدم العلم
بالدليل ، بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في
البحث والطلب . الرابع : استصحاب الاجماع في محل الخلاف وهو غير صحيح ولنرسم
فيه وفي افتقار النافي إلى دليل مسألتين :
- مسألة ( استصحاب الاجماع ) لا حجة في استصحاب الاجماع في محل الخلاف خلافا لبعض الفقهاء ،
ومثاله المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة ، لان الاجماع منعقد على
صحة صلاته ودوامها فطريان وجود الماء ، كطريان هبوب الريح ، وطلوع الفجر ، وسائر
الحوادث ، فنحن نستصحب دوام الصلاة إلى أن يدل دليل على كون رؤية الماء قاطعا
للصلاة ، وهذا فاسد ، لان هذا المستصحب لا يخلو إما أن يقر بأنه لم يقم دليلا في المسألة
لكن قال : أنا ناف ولا دليل على النافي ، وأما أن يظن أنه أقام دليلا ، فإن أقر بأنه لم يدل
فسنبين وجوب الدليل على النافي ، وإن ظن أنه أقام دليلا فقد أخطأ ، فإنا نقول : إنما يستدام
الحكم الذي دل الدليل على دوامه ، فالدليل على دوام الصلاة ههنا لفظ الشارع أو إجماع ،
فإن كان لفظا فلا بد من بيان لذلك اللفظ ، فلعله يدل على دوامها عند العدم لا عند الوجود
فإن دل بعمومه على دوامها عند العدم والوجود جميعا ، كان ذلك تمسكا بعموم عند القائلين به
فيجب إظهار دليل التخصيص ، وإن كان ذلك بإجماع ، فالاجماع منعقد على دوام الصلاة عند
العدم ، أما حال الوجود فهو مختلف فيه ، ولا إجماع مع الخلاف ، ولو كان الاجماع شاملا
المستصفى — صفحة 160
مساهمون: الغزالي
ص١٦٠