تعالى بأمر فليعرفنا أمره لنكون على بصيرة ، إما ممتثلون أو مخالفون ، والجواب : أن هذا
السؤال إن صدر ممن ينكر الشرائع فنقول له : أي استحالة في أن يقول الله تعالى لعباده إذا طار
بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت عليكم كذا وكذا ، وجعلت ظنكم علامة وجوب العمل
كما جعلت زوال الشمس علامة وجوب الصلاة فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن
مدرك بالحس وجوده ، فيكون الوجوب معلوما ، فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا
وأصاب ، فإذا جاز أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة ، فلم لا يجوز أن يجعل ظنه
علامة ؟ ويقال له : إذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف ، فاحكم به ولست متعبدا بمعرفة
صدقه ، ولكن بالعمل عند ظن صدقه ، وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب ، ولست متعبدا
بالعلم بصدقه ، ولكن بالعمل عند ظنك الذي تحسه من نفسك ، وهذا ما نعتقده في القياس
وخبر الواحد والحكم بالشاهد واليمين وغير ذلك ، وأما إذا صدر هذا من مقر بالشرع فلا
يتمكن منه ، لأنه تعبد بالعمل بالشهادة والحكم والفتوى ومعاينة الكعبة وخبر الرسول صلى
الله عليه وسلم ، فهذه خمسة ، ثم الشهادة ، قد يقطع بها كشهادة الرسول ( ص )
وشهادة خزيمة بن ثابت حين صدقه رسول الله ( ص ) ، وشهادة موسى وهارون
والأنبياء صلوات الله عليهم ، وقد يظن ذلك كشهادة غيرهم ، ثم ألحق المظنون بالمقطوع به
في وجوب العمل ، وكذلك فتوى النبي ( ص ) وحكمه مقطوع به وفتوى سائر
الأئمة وحكم سائر القضاة مظنون وألحق بالمعلوم ، والكعبة تعلم قطعا بالعيان وتظن
بالاجتهاد ، وعند الظن يجب العمل ، كما يجب عند المشاهدة ، فكذلك خبر الرسول صلى الله
عليه وسلم يجب العمل به عند التواتر ، فلم يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم في وجوب
العمل خاصة ، ومن أراد أن يفرق بين هذه الخمسة في مفسدة أو مصلحة لم يتمكن منه أصلا ،
فإن قيل : فهل يجوز التعبد بالعمل بخبر الفاسق ؟ قلنا : قال قوم : يجوز بشرط ظن الصدق ،
وهذا الشرط عندنا فاسد ، بل كما يجوز أن تجعل حركة الفلك علامة التعبد بالصلاة فحركة
لسان الفاسق يجوز أن تجعل علامة ، فتكليف العمل عند وجود الخبر شئ ، وكون الخبر
صدقا أو كذبا شئ آخر .
مسألة ( هل يجب العمل بخبر الواحد ؟ ) ذهب قوم إلى أن العقل يدل على وجوب العمل بخبر الواحد دون الأدلة
السمعية ، واستدلوا عليه بدليلين : أحدهما : أن المفتي إذا لم يجد دليلا قاطعا من كتاب أو
إجماع أو سنة متواترة ووجد خبر الواحد ، فلو لم يحكم به لتعطلت الاحكام ، ولان النبي صلى
الله عليه وسلم إذا كان مبعوثا إلى أهل العصر يحتاج إلى إنفاذ الرسل ، إذ لا يقدر على
مشافهة الجميع ولا إشاعة جميع أحكامه على التواتر إلى كل أحد ، إذ لو أنفذ عدد التواتر إلى
كل قطر لم يف بذلك أهل مدينته ، وهذا ضعيف ، لان المفتي إذا فقد الأدلة القاطعة يرجع
إلى البراءة الأصلية والاستصحاب ، كما لو فقد خبر الواحد أيضا ، وأما الرسول صلى الله
عليه وسلم فليقتصر على من يقدر على تبليغه ، فمن الناس في الجزائر من لم يبلغه الشرع
فلا يكلف به ، فليس تكليف الجميع واجبا ، نعم لو تعبد نبي بأن يكلف جميع الخلق ولا
يخلي واقعة عن حكم الله تعالى ولا شخصا عن التكليف ، فربما يكون الاكتفاء بخبر الواحد
المستصفى — صفحة 117
مساهمون: الغزالي
ص١١٧