الانكتام ، وربما ظن الخلف أن عددهم كامل لا يستحيل عليهم التواطؤ فيخطئون في الظن
فيقطعون بالحكم ، ويكون هذا منشأ غلطهم .
خاتمة لهذا الباب في بيان شروط فاسدة ذهب إليها قوم وهي خمسة :
الأول : شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد ، وهذا فاسد ، فإن
الحجيج بأجمعهم إذا أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعتهم من عرفات حصل العلم
بقولهم وهم محصورون ، وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت الناس من
الصلاة علم صدقهم ، مع أنهم يحويهم مسجد ، فضلا عن بلد ، وكذلك أهل المدينة إذا أخبروا
عن رسول الله ( ص ) بشئ حصل العلم وقد حواهم بلد .
الثاني : شرط قوم أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد وتختلف أوطانهم فلا
يكونوا في محلة واحدة وتختلف أديانهم ، فلا يكونوا أهل مذهب واحد ، وهذا فاسد لان
كونهم من محلة واحدة ونسب واحد لا يؤثر إلا في إمكان تواطئهم ، والكثرة إلى كمال العدد
تدفع هذا الامكان ، وإن لم تكن كثرة أمكن التواطؤ من بني الأعمام ، كما يمكن من الاخوة
ومن أهل بلد ، كما يمكن من أهل محلة وكيف يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق
المسلمين إذا أخبروا عن قتل وفتنة وواقعة ، بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إذا أخبروا عن
موت قيصر . فإن قيل : فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى عليه السلام
وصدقهم في صلبه ؟ قلنا : لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى بنص صريح لا
يحتمل التأويل ، لكن توهموا ذلك بألفاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها كما فهم المشبهة
التشبيه من آيات وأخبار لم يفهموا معناها ، والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس ، فأما قتل
عيسى عليه السلام فقد صدقوا في أنهم شاهدوا شخصا يشبه عيسى عليه السلام مقتولا
ولكن شبه لهم ، فإن قيل : فهل يتصور التشبيه في المحسوس ، فإن تصور فليشك كل واحد
منا إذا رأى زوجته وولده فلعله شبه له ؟ قلنا : إن كان الزمان زمان خرق العادة يجوز التشبيه
في المحسوس ، وذلك زمان النبوة لاثبات صدق النبي ( ص ) ، وذلك لا يوجب
الشك في غير ذلك الزمان ، إذ لا خلاف في قدرة الله تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق
العادة به لتصديق النبي عليه السلام ، ومع ذلك إذا أخذنا العصا في زماننا لم نخف من
انقلابها ثعبانا ثقة بالعادات في زماننا . فإن قيل : خرق العادة في زماننا هذا جائز كرامة للأولياء ،
فلعل وليا من الأولياء دعا الله تعالى بذلك فأجابه ، فلنشك لامكان ذلك ؟ قلنا : إذا فعل الله
تعالى ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل بالعادات ، فإذا وجدنا من أنفسنا علما
ضروريا بأنه لم تنقلب العصا ثعبانا ولا الجبل ذهبا ، ولا الحصى في الجبال جواهر ويواقيت
قطعنا بأن الله تعالى لم يخرق العادة ، وإن كان قادرا عليها .
الثالث : شرط قوم أن يكونوا أولياء مؤمنين ، وهو فاسد ، إذ يحصل العلم بقول الفسقة
والمرجئة والقدرية ، بل بقول الروم إذا أخبروا بموت ملكهم حصل العلم .
الرابع : شرط قوم أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الاخبار ، وهو فاسد ، لأنهم إن
المستصفى — صفحة 111
مساهمون: الغزالي
ص١١١