يتوهم القطع به على ثلاث مراتب : الأولى : ما يجري مجرى النص وأوضح منه كقوله
تعالى : * ( فلا تقل لهما أف ) * ( الاسراء : 32 ) ، فإن تحريم الضرب مدرك منه قطعا ، فلو كان
ورد نص بإباحة الضرب لكان هذا ناسخا ، لأنه أظهر من المنطوق به ، وفي درجته قوله تعالى :
* ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) * ( الزلزلة : 7 ) الآية في أن ما هو فوق الذرة كذلك ،
وكذلك قوله تعالى : * ( وورثه أبواه فلأمه الثلث ) * ( النساء : 11 ) في أن للأب الثلثين . الرتبة
الثانية : لو ورد نص بأن العتق لا يسري في الأمة ، ثم ورد قوله ( ص ) : من
أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي لقضينا بسراية عتق الأمة قياسا على العبد ، لأنه مقطوع
به ، إذ علم قطعا قصد الشارع إلى المملوك لكونه مملوكا . الرتبة الثالثة : أن يرد النص
مثلا بإباحة النبيذ ثم يقول الشارع : حرمت الخمر لشدتها ، فينسخ إباحة النبيذ بقياسه على
الخمر إن تعبدنا بالقياس ، وقال قوم : وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضا ، إذ لا فرق بين قوله
حرمت كل منتبذ ، وبين قوله : حرمت الخمر لشدتها ، ولذلك أقر النظام بالعلة المنصوصة
وإن كان منكرا لأصل القياس ، ولنبين أنه إن لم نتعبد بالقياس ، فقوله : حرمت الخمر
عليكم لشدتها ليس قاطعا في تحريم النبيذ بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة
كما تكون العلة في الرجم زنا المحصن خاصة ، والمقصود أن القاطع لا يرفع بالظن بل
بالقاطع ، فإن قيل استحالة رفعه بالمظنون عقلي أو سمعي ، قلنا : الصحيح أنه سمعي ، ولا
يستحيل عقلا أن يقال : تعبدناكم بنسخ النص بالقياس على نص آخر ، نعم يستحيل أن نتعبد
بنسخ النص بقياس مستنبط من عين ذلك النص ، لان ذلك يؤدي إلى أن يصير هو مناقضا
لنفسه ، فيكون واجب العمل به وساقط العمل به ، فإن قيل : فما الدليل على امتناعه سمعا ؟
قلنا : يدل عليه الاجماع على بطلان كل قياس مخالف للنص ، وقول معاذ رضي الله عنه
اجتهد رأيي ، بعد فقد النص وتزكية رسول الله ( ص ) له وإجماع الصحابة
على ترك القياس بأخبار الآحاد ، فكيف بالنص القاطع المتواتر ، واشتهار قولهم عند سماع
خبر الواحد : لولا هذا لقضينا برأينا ، ولان دلالة النص قاطع في المنصوص ، ودلالة الأصل
على الفرع مظنون ، فكيف يترك الأقوى بالأضعف ، وهذا مستند الصحابة في إجماعهم على
ترك القياس بالنص ، فإن قيل : إذا تناقض قاطعان وأشكل المتأخر فهل يثبت تأخر أحدهما
بقول الواحد حتى يكون هو الناسخ ؟ قلنا يحتمل أن يقال ذلك ، لأنه إذا ثبت الاحصان
بقول اثنين مع أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة دل على أنه لا يحتاط للشرط بما يحتاط به
للمشروط ، ويحتمل أن يقال النسخ إذا كان بالتأخير والمنسوخ قاطع ، فلا يكفي فيه قول
الواحد ، فهذا في محل الاجتهاد ، والأظهر قبوله ، لان أحد النصين منسوخ قطعا ، وإنما هذا
مطلوب قبوله للتعيين .
مسألة ( نسخ الحكم بقول الصحابي ) لا ينسخ حكم بقول الصحابي نسخ حكم كذا ما لم يقل : سمعت رسول
الله ( ص ) يقول نسخت حكم كذا ، فإذا قال ذلك نظر في الحكم ، إن كان ثابتا
بخبر الواحد صار منسوخا بقوله ، وإن كان قاطعا فلا ، أما قوله : نسخ حكم كذا ، فلا يقبل
قطعا ، فلعله ظن ما ليس ينسخ نسخا ، فقد ظن أن الزيادة على النص نسخ ، وكذلك في
المستصفى — صفحة 102
مساهمون: الغزالي
ص١٠٢