ثم زعموا أن للبارئ بكونه موجودا حالا زائدة على حقيقته المقدسة .
ونحن نمنع من ذلك كله ، ونقول : إن معنى كونه تعالى موجودا أنه
حقيقة وذات في الخارج ، وكذا كل ذات نصفها بالوجود لا نعطيها زيادة على
هذا المعنى .
والدليل على ذلك ، أنه لو كان الموجود زائدا على الذات لكان لا يخلو
إما أن يتصف بالوجود ، فيكون للوجود وجود ، أو لا يتصف به فيكون نفس
العدم ، أو يكون لا موجودا ولا معدوما فيجتمع فيه النقيضان ، والكل محال .
فإن امتنعوا من إجراء الوجود على الحال كان ذلك تعصيا غير مقبول ،
لأن على تقدير كون الحقيقة ثابتة فتأثير المؤثر في جعلها حقيقة محال ، لأنه
تحصيل الحاصل ، فلا بد أن يكون تأثيره في الوجود ، فإن لم يكن الوجود شيئا
مفروضا استحال تأثير المؤثر فيه ، وإن كان شيئا زائدا وردت عليه الأقسام
ضرورة ، فالامتناع بعد ذلك من إجراء لفظ الوجود عليه مع كونه في الحقيقة
أثرا للفاعل باطل .
فإن قالوا : التأثير في جعل الذات موجودة . قلنا : فلننقل الكلام إلى
ذلك الجعل ، فإن كان زائدا على الذات - وهو أثر المؤثر - لزمت المحذورات
التي أشرنا إليها ، وإن لم يكن زائدا استحال تأثير المؤثر فيه ، فلا يكون له أثرا
في جعل الحقيقة حقيقة وهو المطلوب .
ثم الدليل على أنه تعالى موصوف بذلك تأثيره في الموجودات ، والتأثير
لا يحصل مع العدم . ( 20 )
هامش
( 20 ) قال الشيخ الطوسي رحمه الله : وقول من قال : صحة الفعل تدل على أن من صح
منه الفعل قادر حي موجود ، فلا يحتاج إلى جميع ذلك ، [ أي الاستدلال لكونه
موجودا مثلا ] فاسد ، لأن النظر في دليل واحد من وجه واحد لا يجوز أن يولد أكثر
من علم واحد . . . وهذه العلوم متغايرة ، ألا ترى أنه يعلمه موجودا من لا يعلمه
حيا ، ويعلمه حيا موجودا من لا يعلمه قادرا ، فعلم بذلك أن هذه العلوم متغايرة ،
وكذلك يصح أن يعلمه قادرا وإن لم يعلمه حيا موجودا إذا كان الكلام في القديم
تعالى ، وإنما يستحيل ذلك فينا ، لأنه إذا علم صحة الفعل من الواحد منا فقد علم
وجود ذات ضرورة ، فلا يصح أن يعلمها قادرة ولا يعلمها موجودة ، فأما القديم
تعالى فيصح ذلك فيه على ما قلناه من أنه لا يثبت من النظر في دليل واحد من وجه
واحد أكثر من علم واحد . . . تمهيد الأصول 39 .