إنّ من الغريب المدهش أن يستطيع مثله أن يبلغ هذا المبلغ وينال ما ناله من علوّ الدرجة في العلوم والمعارف وهو في تلك الحاجة والفاقة ، وربما تمرّ عليه جملة أيام وهو صابر مرتاض يحتسب في جنب الله كل عناء ، راجيا منه تعالى أن يناله رضوانه الأكبر ، فهو يعاني مشقّتين ويكافح عنائين ، وهذا مفخر ماجد وشرف عال صاعد ، يمتاز به نوع المشتغلين في العلوم الدينيّة من الفرقة الإماميّة ، فإنّهم يعيشون بلا رواتب تكفل معيشتهم ، ولا مخصّصات تقوم بواجباتهم ، وقد استمرّت هذه الأحوال الصعبة على شيخنا وأستاذ أساتيذنا المترجم رضوان الله عليه حتّى أواخر أيّامه ، وقد استحكمت في أعماق نفسه المقدّسة ملكات التقوى والورع والعفاف ، وغرائز الزهد والخشية والإباء ، ولمّا ألقت إليه الأمور بأزمتها وانقادت له بنواصيها ، أبى مشتبهاتها ، واحتاط عن مشكلاتها ، وقنع بما آتاه الله من فضله ، والله ذو فضل عظيم .
انعزاله عن الناس وكراهته للشهرة :
كان يكره الشهرة ويحب العزلة إلَّا فيما لا بدّ منه لدين أو دنيا ، فكان لا يجلس في يوم عيد ، ولا يحب أن يشيّعه أحد إذا سافر ، ويزور أحيانا بعض من جرت العادة أن يزار ، ويحضر بعض مجالس العزاء ، ويأتي في بعض الليالي إلى حجرة السيد جواد العاملي صاحب مفتاح الكرامة وإلى غيرها .
مصباح الفقيه — صفحة المقدمة 26
مساهمون: آقا رضا الهمداني
صالمقدمة ٢٦