قال الملك :
فلماذا نحترم الخلفاء ؟ !
قال الوزير :
اتباعا للسلف الصالح .
قال العلوي : - موجها كلامه إلى الملك - .
قل للوزير أيهما الملك ، هل الحق أحق أن يتبع ، أو السلف ؟
أليس تقليد السلف ، ضد الحق مشمولا لقوله تعالى : ( قالوا إنا وجدنا آباءنا
على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ؟ !
قال الملك : - موجها الخطاب إلى العلوي :
إذا لم يكن هؤلاء الثلاثة خلفاء فمن هو خليفة رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
قال العلوي :
خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو : علي بن أبي طالب .
قال الملك : ولماذا هو خليفته ؟
قال العلوي :
لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عينه خليفة من بعده ( 1 ) حيث أنه
هامش
( 1 ) قال الأستاذ عبد الحليم الجندي :
ومن نصوص وصية النبي الصريحة بالإمامة لعلي : عن محمد بن حميد الرازي ( * ) - وقد وثقة الأئمة : أحمد ، ويحيى ، وابن جرير الطبري والبغوي ، عن أبي بريدة :
( لكل نبي وصي ووارث ، وابن وصيي ، ووارثي علي بن أبي طالب ) ومثله - بالمعنى مروي
عن سلمان الفارسي .
وقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة ( يا فاطمة : أما ترضين أن الله عز وجل اطلع إلى أهل
الأرض فاختار اثنين أحدهما أبوك والآخر بعلك ) .
وعن ابن عباس أن الرسول قال لها ؟ أما ترضين أني زوجتك أول المسلمين إسلاما ،
وأعلمهم علما ، وأنك سيدة نساء أمتي كما سادت مريم نساء قومها ، أما ترضين يا فاطمة
أن الله أطلع إلى أهل الأرض فاختار رجلان أحدهما أباك ، والآخر بعلك ) .
الإمام جعفر الصادق ص 253 طبع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة .
* قال خير الدين الزركلي : محمد بن حميد بن حيان التميمي الرازي أبو عبد الله حافظ
للحديث . من الري . زار بغداد . وأخذ عنه كثير من الأئمة كابن حنبل وابن ماجة والترمذي .
الأعلام : 6 / 110 .
وقال الأستاذ عبد الكريم الخطيب :
وهذا الذي كان من علي في ليلة الهجرة ، إذا نظر إليه في مجرى الأحداث التي عرضت
للإمام علي في حياته بعد تلك اللية ، فإنه يرفع لعين الناظر ، إمارات واضحة ، وإشارات
دالة ، على أن هذا التدبر الذي كان في تلك الليلة ، لم يكن أمرا عارضا ، بالإضافة إلى
علي ، بل هو عن حكمة لها آثارها ، ومعقباتها !
فلنا أن نسأل :
أكان لإلباس الرسول صلى الله عليه وسلم ، شخصية لعلي ، تلك الليلة ، ما يوحي بأن هناك
جامعة تجمع بين الرسول ، وبين علي ، أكثر من جامعة القرابة القريبة التي بينهما ؟
وهل لنا أن نستشف من ذلك ، أنه إذا غاب شخص الرسول كان علي هو الشخصية المهيأة
لأن تخلفه ، وتمثل شخصه ، وتقوم مقامه ؟
وأحسب أن أحدا قبلنا لم ينظر إلى هذا الحدث نظرتنا هذه إليه ، ولم يقف عنده وقفتنا تلك ،
حتى شيعة علي ، والمبالغين في التشيع له ! فإنا نراهم لا يلتفتون كثيرا إلى هذه الواقعة ، ولا
يقيمون منها شاهدا يشهد لعلي أنه أولى الناس برسول الله ، والقيام معه ، على حين نراهم
يتعلقون بكل شئ يرفع عليا إلى تلك المنزلة ! ! وأحسب كذلك أننا لم نتعسف كثيرا ، حين
نظرنا إلى علي ، وهو في برد الرسول ، وفي مثوى منامه الذي اعتاد أن ينام فيه - فقلنا هذا
خلف رسول الله ، والقائم مقامه ! ثم نحن إذا نظرنا إلى علي وهو يواجه قريشا ، بعد أن فعل
فعلته بها ، وبعد أن صفعها تلك الصفعة المذلة المهينة ، ثم تصفحنا هذه الوجوه المنكرة ، وتلك
الأعين المحدقة ، وهي ترمي عليا بنظراتها الحادة المتوعدة ، إذ خدعها عن " محمد " ،
ومكر بها ، حتى أفلت " محمد " من بين يديها - إلا يذكرنا هذا المشهد ، بما كان من قريش
لعلي ، وإرهاقها له ، وتجنيها عليه ، بعد أن دخلت في الإسلام . . حيث لم ير منها إلا حنقا
عليه ، وكيدا له ، وازورارا عنه ؟ !
وإن لك أن تقول : إن الفرق كبير بين قريش الملحدة الكافرة ، المتحدية للرسول ، ولمن
يجتمع إلى الرسول ، وبين قريش المسلمة ، المستجيبة لرسول الله ، والمجاهدة في سبيل الله !
ولكن . . لنا نحن أيضا أن تقول :
إنه إذا كان الإسلام قد ذهب بسخائم النفوس ، وضمد جراحات القلوب ، فإنه قد بقي في كثير
من النفوس بعض هذه السخائم . مندسة خامدة ، إذا حركتها الأحداث تحركت ، وبقي في
بعض القلوب ندوب هي ساكنة ما سكنت الأحداث ، فإذا طاف بها طائف من المواقف
المتأزمة ، نفرت ، وألقت بما فيها من قيح ، وصديد !
إن هذا الذي كان من علي ليلة الهجرة ، في تحديه لقريش ، هذا التحدي السافر ، وفي
استخفافه بها ، وقيامه بينها ثلاثة أيام يغدو ويروح - إن ذلك لا تنساه قريش لعلي ، أبدا ،
ولولا أنها وجدت في قتله يومئذ إثارة فتنة ، تمزق وحدتها ، وتشتت شملها ، دون أن يكون
في ذلك ما يبلغ بها غايتها في " محمد " - لولا ذلك لقتلته ، وشفت ما بصدرها منه ، ولكنها
تركته ، وانتظرت الأيام ، لتسوي حسابها معه !
وأمر آخر !
هاجر الرسول إلى المدينة ، وترك وراءه في مكة ، قلوبا مضطغنة عليه ، ومغيضة منه ،
متحرقة إلى ضره ، وأذاه . . واستقبل في مهاجره الجديد وجوها فياضة بالبشر ، وقلوبا عامرة
بالخير ، والحب .
وها هو علي يخلف الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - في هذا المجتمع المضطرب ، ومع
هذه الجماعة الحانقة المبغضة . . يعيش معها أياما ثم يلحق بالرسول في مهاجره الجديد !
ثم مضى الرسول إلى ربه ولحق بالرفيق الأعلى ، وانتقل من دار إلى دار خير منها . . أشبه
بانتقاله مهاجرا من مكة إلى المدينة . . وترك عليا وراءه يصطدم بالأحداث ، ويكابد الشدائد ،
حتى يلحق بالرسول في الرفيق الأعلى ، كما لحق به في مهاجره من قبل !
ألا يبدو لنا من هذه الموافقات ، ما نستشف منه أن لعلي شانا في رسالة الرسول ، ودورا في
دعوة الإسلام ، ليس لأحد غيره من صحابة الرسول ؟
الإمام علي بقية النبوة وخاتم الخلافة ص 105 ، 107 طبع مصر عام 1386 ه .