وبعث رجالا يسألون عنه بالكوفة ، فكانوا لا يأتون مسجدا من
مساجد أهل الكوفة إلا قالوا خيرا ، أو أثنوا خيرا ، حتى أتى
مسجدا من مساجد بني عبس ، فقال رجل يقال له أبو سعدة : أما
إذ نشدتمونا بالله ، فإنه كان لا يعدل في القضية ، ولا يقسم
بالسوية ، لا يسير بالسرية ، فقال سعد : اللهم إن كان كاذبا فأعم
بصره . وأطل عمره ، وعرضه للفتن " .
قال عبد الملك : فأنا رأيته بعد ، يتعرض للإماء في
السكك ، فإذا سئل : كيف أنت ؟ يقول : كبير ، فقير ، مفتون ،
أصابتني دعوة سعد ( 2 ) . . .
هامش
( 1 ) في ( فان ) " وأثنوا " وكذلك في " ش " ولكن أصلحت على هامش " ش "
" أو " .
( 2 ) إسناده صحيح وهو مطول ما قبله ، وأخرجه البخاري في الاذن ( 755 ،
758 ) باب : وجوب قراءة الإمام والمأموم في الصلوات كلها ، والبيهقي في السنن
2 / 65 ، والطبراني في " الكبير " برقم ( 308 ) من طريق أبي عوانة ، بهذا الاسناد .
وأخرجه الحميدي برقم ( 72 ، 73 ) ، وأحمد 1 / 176 ، 179 ، 180 ،
ومسلم في الصلاة ( 453 ) باب : القراءة في الظهر والعصر ، والنسائي في الافتتاح
2 / 174 باب : الركود في الركعتين الأوليين ، والبيهقي 2 / 65 ، والطبراني برقم
( 290 ) ، والفسوي في المعرفة والتاريخ 2 / 754 من طرق عن عبد الملك بن عمير ،
بهذا الاسناد . وأخرجه الطيالسي أيضا برقم ( 217 ) وانظر سابقه .
وأخرم : بفتح أوله ، وكسر الراء ، أي : لا أنقص . وأركد في الأوليين :
أطول القراءة فيهما ، وأحذف في الأخريين : يحذف في القراءة لا القراءة نفسها ،
فكأنه يريد حذف الركود فيهما .
وفي الحديث دلالة على أن الذين شكوه لم يكونوا من أهل العلم ، وكأنهم ظنوا
مشروعية التسوية بين الركعات فأنكروا على سعد التفرقة ، فيستفاد منه ذم القول
بالرأي الذي لا يستند إلى أصل ، وفيه أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار ،
وفيه عدالة سعد وإنصافه ، لأنه ، وهو في حالة غضب ، يدعو على أبي سعدة معلقا
دعاءه بشرط أن يكون كاذبا ، وأن يكون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي - كما
في رواية البخاري . وفيه أن السؤال عن عدالة الرجل يكون ممن يجاوره . وفيه جواز
الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه ، وفي سلوك الورع في الدعاء .