رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح عنه الرخصاء ، فقال : " أين
السائل " . فرأينا أنه حمده فقال : " إن الخير لا يأتي بالشر ، وإن
مما ينبت الربيع يقتل - أو يلم - حبطا ، ألم تروا إلى آكلة الخضر
أكلت حتى امتلأت خاصرتاها ، فاستقبلت عين الشمس فثلطت
فبالت ، ثم رتعت ؟ وإن المال حلوة خضرة ونعم صاحب المسلم
هو إن وصل الرحم ، وأنفق في سبيل الله . ومثل الذي يأخذه
بغير حقه كمثل الذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة " ( 1 ) . . .
هامش
( 1 ) إسناده صحيح ، وأخرجه أحمد 3 / 21 من طريق يزيد بن هارون ، بهذا
الاسناد .
وأخرجه أحمد 3 / 91 ، والبخاري في الجمعة ( 921 ) باب : يستقبل الامام
القوم ، واستقبال الناس الامام إذا خطب ، وفي الزكاة ( 1465 ) باب : الصدقة على
اليتامى ، ومسلم في الزكاة ( 1052 ) ( 123 ) باب : تخوف ما يخرج من زهرة
الدنيا ، والنسائي في الزكاة 5 / 90 باب : الصدقة على اليتيم ، من طرق عن هشام
الدستوائي ، بهذا الاسناد .
وأخرجه البخاري في الجهاد ( 2842 ) باب : فضل النفقة في سبيل الله ، من
طريق محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، به .
وأخرجه البخاري في الرقاق ( 6427 ) باب : ما يحذر من زهرة الحياة الدنيا
والتنافس فيها ، ومسلم ( 1052 ) ( 122 ) ، من طريق مالك ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء بن يسار ، به .
وأخرجه أحمد 3 / 7 ، ومسلم ( 1052 ) ، وابن ماجة في الفتن ( 3995 )
باب : فتنة المال ، من طرق عن عياض بن عبد الله ، عن أبي سعيد الخدري .
الرحضاء : العرق في الشدة ، يلم : يقارب الاهلاك . الحبط : بفتح المهملة
والموحدة والطاء المهلة : امتلاء البطن وانتفاخه من كثرة الاكل . والخيط ، بالخاء
المعجمة من التخبط ، وهو الاضطراب . والرواية الأولى هي المعتمدة . والخضر :
بفتح الخاء ، وكسر الضاد المعجمتين نوع من العشب تستلذه الماشية فتستكثر من
أكله . وثلط : بمثلثة ولام مفتوحتين ، ثم طاء مهملة : ألقت ما في بطنها رقيقا .
وقال الأزهري : " فيه مثلان ، أحدهما للمفرط في جمع الدنيا المانع من إخراجها
في وجهها وهو الذي يقتل حبطا . والثاني المقتصد في جمعها وفي الانتفاع بها وهو آكلة
الخضر ، فهو مقتصد في أخذها وجمعها ، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ،
ولا منعها من مستحقها ، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر " .
وقال الزين ابن المنير : " في هذا الحديث وجوه من التشبيهات بديعة ، أولها
تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره ، والثاني : تشبيه المنهمك في الاكتساب بالبهائم
المنهمكة في الأعشاب . والثالث : تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الاكل
والامتلاء منه . والرابع : تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى
إلى المبالغة في البخل به - بما تطرحه البهيمة من السلح ، ففيه إشارة بديعة إلى
استقذاره شرعا ، والخامس : تشبيه المتقاعد عن جمعه بالشاة إذا استراحت وحطت
جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونا وسكينة ، وفيه إشارة إلى
إدراكها لمصالحها . السادس : تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن
دفع ما يضرها . والسابع : تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوا ،
فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه حبا له ، وذلك يقتضي منعه من مستحقه
فيكون سببا لعقاب مقتنيه ، والثامن : تشبيه آخذه بغير حق ، بالذي يأكل ولا
يشبع " .
وفي هذا الحديث من الفوائد : جلوس الامام على المنبر عند الموعظة في غير
خطبة الجمعة ونحوها ، فيه جلوس الناس حوله ، والتحذير من المنافسة في الدنيا ،
وفيه استفهام العالم عما يشكل ، وطلب الدليل لدفع المعارضة . وفيه تسمية المال
خيرا ، وفيه ضرب المثل بالحكمة - وإن وقع في اللفظ ذكر ما يستهجن كالبول - فإن
ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني ألائقة بالمقام . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر
الوحي عند إرادة الجواب عما يسأل عنه ، ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا
كان يحتاج إلى التأمل ، وفيه لوم من ظن به تعنت في السؤال ، وحمد من أجاد فيه .
وفيه الحض على إعطاء المسكين ، واليتيم ، وابن السبيل ، وفيه أن مكتسب المال من
غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع ، وفيه ذم الاسراف ، وكثرة
الاكل والنهم فيه .