صدق كل من جزئيها ، فلا يلزم من صدق قولنا " أنه إذا لم يشأ يصح منه أن لا
يفعل " صدق أنه لم يشأ حتى يلزم صحة أن لا يفعل ، وحينئذ لا يمكن إثبات الممكنة
من الطرفين .
إلا أنا لما بينا أن العالم حادث ثبت وقوع أن لا يفعل لعدم الداعي ، فلزمت
صحة أن لا يفعل كما أشرنا إليه . وحينئذ صدقت الشرطيتان بأجزائهما على الله
تعالى ، وتحقق الخلاف معهم . وبالله التوفيق .
البحث الثاني : في كونه تعالى عالما
اتفق جمهور العقلاء من المتكلمين وغيرهم على أنه تعالى عالم ، إلا قوما
من الفلاسفة ، فإن منهم من نفى عنه العلم أصلا .
لنا : إن أفعاله تعالى محكمة متقنة ، وكل من كان كذلك فهو عالم ، والمقدمة
الأولى حسية والثانية بديهية .
لا يقال : إن عنيت بالفعل المحكم ما يشتمل على المصلحة من كل وجه فلا نسلم
أن شيئا من مخلوقات الله تعالى كذلك ، وهو ظاهر ، لكثرة ما نشاهده في العالم
من الشرور . وإن عنيت به ما يشتمل عليها من بعض الوجوه ، فلا نسلم أن ذلك
يدل على علم الفاعل . ثم هو منقوض بأفعال النائم والساهي ، فإنها قد تشتمل
على المصلحة من بعض الوجوه مع عدم شعور فاعله به . سلمناه ، لكن لا نسلم
أن الأحكام تدل على علم الفاعل .
ومستند المنع وجوه :
( أحدها ) أن الجاهل قد تتفق منه الأحكام مرة ، وجواز المرة منه مستلزم
لجواز المرار ، لأن حكم الشئ حكم مثله ، مع أن تلك الأحكام لا تدل على علمه .
قواعد المرام في علم الكلام — صفحة 85
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٨٥