وأيضا فإن قريشا وسائر العرب ، كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ،
حيث بلغ في علمه وعمله رتبة - عند الله ورسله وأولي الألباب - قاصر عنها
الأقران ، وتراجع عنها الأكفاء ، ونال من الله ورسوله بسوابقه وخصائصه ،
منزلة ، تشرئب إليها أعناق الأماني ، وشأوا تنقطع دونه هوادي المطامع ، وبذلك
دبت عقارب الجسد له في قلوب المنافقين ، واجتمعت على نقض عهده كلمة
الفاسقين والناكثين والقاسطين والمارقين ، فاتخذوا النص ظهريا ، وكان لديهم
نسيا منسيا .
فكان ما كان مما لست أذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
وأيضا ، فإن قريشا وسائر العرب ، كانوا قد تشوقوا إلى تداول الخلافة في
قبائلهم ، واشرأبت إلى ذلك أطماعهم ، فأمضوا نياتهم على نكث العهد ،
ووجهوا عزائمهم إلى نقض العقد ، فتصافقوا على تناسي النص ، وتبايعوا على
أن لا يذكر بالمرة ، وأجمعوا على صرف الخلافة من أول أيامها عن وليها المنصوص
عليه من نبيها ، فجعلوها بالانتخاب والاختيار ، ليكون لكل حي من أحيائهم
أمل في الوصول إليها ولو بعد حين ، ولو تعبدوا بالنص ، فقدموا عليا بعد
رسول الله صلى الله عليه وآله ، لما خرجت الخلافة من عترته الطاهرة ،
حيث قرنها يوم الغدير وغيره بمحكم الكتاب ، وجعلها قدوة لأولي الألباب ، إلى
يوم الحساب ، وما كانت العرب لتصبر على حصر الخلافة في بيت مخصوص ، ولا
سيما بعد أن طمحت إليها الأبصار من جميع قبائلها ، وحامت عليها النفوس من كل
أحيائها .
لقد هزلت حتى بدا من هزالها * كلاها وحتى استامها كل مفلس
وأيضا ، فإن من ألم بتاريخ قريش والعرب في صدر الاسلام يعلم أنهم لم
يخضعوا للنبوة الهاشمية ، إلا بعد أن تهشموا ، ولم يبق فيهم من قوة فكيف يرضون
المراجعات — صفحة 349
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٣٤٩