قال في المجموع : والامر كما قال الرافعي ، أي من الاشكال ، لكن الظاهر ، أي من حيث النقل الصحة . أما الموافقة
لفظا فلا تشترط ، فلو قال : بعتك فقال : اشتريت أو نحوه صح ، ولو قال : بعتك هذه الدار مثلا بألف على أن لي نصفها
صح ، كما لو قال : إلا نصفها . ولا ينعقد البيع بالألفاظ التي بمعنى الهبة ، كما أعمرتك أو أرقبتك كما جزم به في التعليقة تبعا
لأبي علي الطبري ، فليس بصريح ولا كناية ، خلافا لبعض المتأخرين ، وإنما صحت الهبة بهذا اللفظ للنص . ولو قال
: أسلمت إليك كذا في هذا الثوب مثلا فقبل لم ينعقد بيعا ولا سلما كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى . ولا بد أن
يقصد بلفظ البيع معنى البيع كما في نظيره في الطلاق ، فلو لم يقصده أصلا كمن سبق لسانه إليه أو قصده لا لمعناه كمن لقن
أعجميا ما لا يعرف مدلوله لم ينعقد ، نعم إن قصد البيع أو غيره هازلا صح كما في الطلاق . ( وإشارة الأخرس ) وكتابته
( بالعقد كالنطق ) للضرورة ، لأن ذلك يدل علما في فؤاده كما يدل عليه النطق من الناطق . ولا حاجة إلى قوله : من
زيادته بالعقد ، بل قال السبكي : إنها مضرة لأن الفسخ والدعاوى والأقارير ونحو ذلك كذلك ، ولكن احترز به عن
إشارته في الصلاة وبالشهادة وفيما إذا حلف لا يتكلم أو حلف عليه فليس لها حكم النطق . وأعاد المصنف هذه المسألة
في الطلاق وضم الحلي إلى العقد ، وسيأتي فيه إن شاء الله تعالى أن إشارته إن فهمها الفطن
وغيره فصريحة ، أو الفطن فقط فكناية .
تنبيه : قال بعض المتأخرين : ويحتاج المصنف أن يزيد فيه فيقول كالنطق فيه ، وإلا يلزمه أن يكون قبول
الأخرس البيع في الصلاة كقبول النطق فتبطل صلاته . ثم شرع في الركن الثاني وهو العاقد ، وقدمه على المعقود
عليه لتقدم الفاعل على المفعول طبعا ، فقال : ( وشرط العاقد ) بائعا أو مشتريا ( الرشد وهو أن يتصف بالبلوغ
والصلاح لدينه وماله ، فلا يصح من صبي وإن قصد اختباره ولا من مجنون ولا من محجور عليه بسفه ولو بغبطة ، وإنما
صح بيع العبد من نفسه لأن مقصوده العتق .
تنبيه : قال المصنف في دقائقه : إن عبارته أصوب من قول المحرر يعتبر في المتبايعين التكليف لأنه يرد عليه
ثلاثة أشياء : أحدها أن ينتقض بالسكران فإنه يصح بيعه على المذهب مع أنه غير مكلف كما تقرر في كتب الأصول
. الثاني : أنه يرد عليه المحجور عليه بسفه فإنه لا يصح بيعه مع أنه مكلف . والثالث : المكره بغير حق فإنه مكلف ولا يصح
بيعه ، قال : ولا يرد واحد منها على المنهاج اه . بل ولا على المحرر . أما السكران ففي كونه مكلفا خلاف ، وقد نص
الشافعي رحمه الله تعالى على أنه مكلف فقال : وهذا - أي السكران - آثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم اه
. وسيأتي تحريره في الطلاق إن شاء الله تعالى . وأما السفيه والمكره فلان معنى قوله : ويعتبر في المتبايعين التكليف
أنه لا بد في كل بيع منه وهو صحيح ولا يلزم عكسه ، وهو اعتبار بيع كل مكلف ، ولكن
التعرض لهما أحسن لكن لا يردان على المحرر . واعترض عليه بأمور كما يدين الشخص يدان : أحدها أن تعبيره يخرج السكران أيضا كما
أخرجه قيد التكليف عند الأصوليين إلا أن يفرض في سكر لا يخرجه عن الرشد لجهل أو إكراه وهو نادر . ثانيها : أن يرد عليه
الفاسق فإن بيعه صحيح وليس برشيد ، إذ الرشد صلاح الدين والمال . وثالثها : أنه يرد عليه أيضا من طرأ سفهه بعد
فك الحجر عنه فإنه لا بد من إعادة الحجر عليه ، فإذا باع قبل إعادة الحجر عليه صح مع أنه ليس برشيد . ورابعها : أن
عبارته تتناول الصبي كما قال بعضهم فإنه وصفه بالرشد في قوله في الصيام : أو صبيان رشداء . وخامسها : الأعمى لا يصح
بيعه ولا شراؤه كما سيأتي آخر الباب مع أنه رشيد ، ولو عبر بمطلق التصرف لسلم من ذلك . ( قلت : وعدم الاكراه
بغير حق ) فلا يصح عقد مكره في ماله بغير حق ، لقوله تعالى ، * ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) * . ولا أثر لقول
المكره بغير حق إلا في الصلاة فتبطل به في الأصح ، ولا لفعله إلا في الرضاع والحدث والتحول عن القبلة وترك القيام
في الفريضة مع القدرة ، وكذا القتل ونحوه في الأصح ، وكل هذا يأتي في باب الطلاق إن شاء الله تعالى . ويرد على
الأول ما لو أكرهه على طلاق زوجة نفسه أو بيع ماله أو عتق عبده وما أشبه ذلك فإنه ينفذ ، وعلى الثاني ما لو أكرهه
مغني المحتاج — صفحة 7
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٧