الخير ) * . وأركان اللقيط الشرعي ثلاثة ، التقاط ، ولقيط ، وملتقط . وقد بدأ بالركن الأول فقال : ( التقاط ) أي أخذ
( المنبوذ ) بالمعجمة ، ( فرض كفاية ) لقوله تعالى : * ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) * إذ بإحيائها يسقط الحرج
عن الناس فإحياؤهم بالنجاة من العذاب ، ولأنه آدمي محترم فوجب حفظه كالمضطر إلى طعام غيره ، بل أولى لأن البالغ
العاقل ربما احتال لنفسه . وفارق اللقطة حيث لا يجب التقاطها بأن المغلب عليها الاكتساب والنفس تميل إليه فاستغنى
بذلك عن الوجوب كالنكاح والوطئ فيه . فلو لم يعلم بالمنبوذ إلا واحد لزمه أخذه ، فلو لم يلتقطه حتى علم به غيره فهل
يجب عليهما كما لو علما معا أو على الأول فقط ؟ أبدى ابن الرفعة فيه احتمالين ، قال السبكي : والذي يجب القطع به أنه
يجب عليهما . ( ويجب الاشهاد عليه ) أي التقاطه ( في الأصح ) وإن كان ظاهر العدالة خوفا من أن يسترقه . والثاني :
لا يجب اعتمادا على الأمانة كاللقطة . وأجاب الأول بأن الغرض منها المال ، والاشهاد في التصرف المالي مستحب
ومن اللقيط حريته ونسبه فوجب الاشهاد كما في النكاح ، وبأن اللقطة يشيع أمرها بالتعريف ، ولا تعريف في اللقيط ،
ويجب الاشهاد أيضا على ما معه تبعا له ولئلا يتملكه . وقيد الماوردي وجوب الاشهاد عليه وعلى ما معه بالملتقط بنفسه .
أما من سلمه الحاكم له فالاشهاد مستحب له فقط ، قال شيخنا : وهو ظاهر . وأما الركن الثاني وهو اللقيط ، فهو صغير
منبوذ في شارع أو مسجد أو نحو ذلك لا كافل له معلوم ولو مميزا لحاجته إلى التعهد . وإن أفهم التعبير بالمنبوذ اختصاصه
بغير المميز ، فإن المنبوذ وهو الذي ينبذ دون التمييز ، ونبذه في الغالب إما لكونه من فاحشة خوفا من العار ، أو للعجز
عن مؤنته ، فإن فقد النبذ رد إلى القاضي لقيامه مقام كافله فيسلمه إلى من يقوم به ، كما يقوم بحفظ مال الغائبين ،
أو وجد له كافل ولو ملتقطا رد إليه . وخرج بالصبي البالغ لاستغنائه عن الحفظ . نعم المجنون كالصبي ، وإنما ذكروا
الصبي لأنه الغالب ، قاله السبكي وغيره . ثم شرع في الركن الثالث وهو الملتقط فقال : ( وإنما تثبت ولاية الالتقاط ) أي
حضانة اللقيط ( لمكلف حر ) ذكر أو أنثى ، ولكن الإناث أليق بها . غني أو فقير ، ( مسلم ) إن كان اللقيط محكوما
بإسلامه ، ( عدل ) لأنها ولاية على الغير فاعتبر فيها الأوصاف المذكورة كولاية القضاء ، فإن كان محكوما بكفره بالدار
فللكافر التقاطه ، لأنه من أهل الولاية عليه .
تنبيه : مقتضى كلامهم جواز التقاط اليهودي للنصراني وعكسه ، وهو كذلك كالإرث ، وإن قال ابن الرفعة لم أره
منقولا . وقوله : ( رشيد ) مستغنى عنه بعدل كما يستغنى عن مكلف بعدل ، ومراده العدالة الباطنة والظاهرة ليدخل
المستور كما يؤخذ من قوله الآتي . ويقدم عدل على مستور ، ولا تفتقر ولاية الالتقاط إلى إذن الحاكم ، لكن يستحب
دفعه إليه . نعم لو وجده فأعطاه غيره لم يجز حتى يدفعه إلى الحاكم كما قاله الدارمي . ثم شرع في ذكر محترزات ما تقدم
فذكر محترز حر في قوله : ( ولو التقط ) رقيق ( عبد ) أو أمة مدبر أو معلق عتقه بصفة ، أو أم ولد أو مكاتب ( بغير
إذن سيده انتزع ) اللقيط ( منه ) لأن الحضانة تبرع وليس هو من أهلها ، ( فإن علمه ) أي السيد ( فأقره عنده ،
أي التقط بإذنه فالسيد ) هو ( الملتقط ) وهو نائبه في الاخذ والتربية إذ يده كيده ، ولا بد أن يكون أهلا للترك في يده .
قال الماوردي : وهذا قبل الرفع إلى الحاكم ، أما بعده فيدفعه إلى من يراه إذ لا حق للسيد فيه اه . وفي الحالة الثانية نظر
إذ السيد هو الملتقط . ولو قال السيد للمكاتب التقط لي فالسيد هو الملتقط ، وهو المبعض إذا التقط في نوبته وجهان ، أصحهما
عدم الصحة كما قاله الروياني ، لأن الحضانة ولاية ، ولا ولاية للمبعض بخلاف اللقطة ، فإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة
أو التقط في نوبة السيد فالتقاطه كالقن كما صرح به الماوردي وذكر محترز مكلف عدل رشيد في قوله : ( ولو التقط صبي )
أو مجنون ( أو فاسق أو محجور عليه ) بسفه ( أو كافر مسلما انتزع منه ) لعدم أهلية الصبي والمجنون وتهمة الفاسق
مغني المحتاج — صفحة 418
مساهمون: الخطيب الشربيني
ص٤١٨