شعرة واحدة أو مسح شعرة من رأسه أو خفه أو بعض خفه : حتى نعرف أقوالهم
في ذلك *
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وسقى إنسانا ذلك الوضوء ، وأنه عليه السلام
توضأ وصب وضوءه على جابر بن عبد الله ، وأنه عليه السلام كان إذا توضأ تمسح
الناس بوضوئه ، فقالوا بآرائهم الملعونة : ان المسلم الطاهر النظيف إذا توضأ بماء طاهر
ثم صب ذلك الماء في بئر فهي بمنزلة لو صب فيها فأر ميت أو نجس . ونسأل الله العافية
من هذا القول *
142 - مسألة - وونيم ( 1 ) الذباب والبراغيث والنحل وبول الخفاش ( 2 ) إن كان
لا يمكن التحفظ منه وكان في غسله حرج أو عسر لم يلزم من غسله إلا مالا حرج
فيه ولا عسر *
قال أبو محمد : قد قدمنا قول الله تعالى : ( ما جعل عليكم في الدين من حرج )
وقوله تعالى : ( يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) . فالخرج والعسر مرفوعان عنا ،
وما كان لا حرج في غسله ولا عسر فهو لازم غسله ، لأنه بول ورجيع . وبالله تعالى
التوفيق *
143 - مسألة - والقئ من كل مسلم أو كافر حرام يجب اجتنابه . لقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ) وإنما قال عليه السلام ذلك على منع العودة
في الهبة *
144 - مسألة - والخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس حرام واجب
اجتنابه ، فمن صلى حاملا شيئا منها بطلت صلاته . قال الله تعالى : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب
والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ) . فمن لم يجتنب ذلك في صلاته
فلم يصل كما أمر ، ومن لم يصل كما أمر فلم يصل ( 3 ) .
هامش
( 1 ) بفتح الواو وكسر النون وآخره ميم ، هو خرء الذباب .
( 2 ) في اليمنية ( والنحل والخفافيش )
( 3 ) شذ ابن حزم شذوذا غريبا في القول بنجاسة الميسر والأنصاب والأزلام
ولو شئنا أن نقول كما يقول متأخرو الفقهاء في مناظراتهم لقلنا : إنه خالف الاجماع
فقد نقل النووي وغيره الاجماع على طهارتها ، ونحن لم نعلم قائلا ذهب إلى
ما اختاره المؤلف رحمه الله . ولا بأس بذلك إن كان القول المختار يرجحه الدليل
الصحيح . والآية التي استدل بها المؤلف لا تدل على ما ذهب إليه ، فان الرجس
كما يطلق على النجس يطلق على المستقذر وعلى الخبيث وعلى المآثم وعلى العذاب ،
قال الزجاج : ( الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ الله تعالى
في ذم هذه الأشياء وسماها رجسا ) نقله في اللسان ، وقال الراغب الأصفهاني :
( الرجس الشئ القذر ، يقال رجل رجس ورجال أرجاس ، قال تعالى ( رجس من
عمل الشيطان ) ، والرجس يكون على أربعة أوجه ، إما من حيث الطبع ، واما من
جهة العقل ، وإما من جهة الشرع ، واما من كل ذلك كالميتة ، فان الميتة تعاف طبعا
وعقلا وشرعا . والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر ، وقيل إن ذلك رجس من جهة
العقل ، وعلى ذلك نبه بقوله تعالى ( وإثمهما أكبر من نفعهما ) لان كل مايو في اثمه
على نفعه فالعقل يقتضى تجنبه ) . وليس معقولا في معنى الآية إرادة الرجس بمعنى
النجس رغما عما اختاره المؤلف ، فالميسر مثلا هو لعب القمار ولا يعقل فيه نجاسة
من طهارة ، وان ادعى أنه يريد آلة اللعب فهي دعوى غير موفقة ، لأنه ليس
في آلة اللعب تحريم ، إنما التحريم على عمل المكلف ، قال ابن جرير في التفسير
( 7 : 21 ) : ( ( رجس ) : يقول : اثم ونتن سخطه الله وكرهه لكم ( من عمل
الشيطان ) يقول : شربكم الخمر وقماركم على الجزر وذبحكم للأنصاب واستقسامكم .
بالأزلام من تزيين الشيطان لكم ودعائه إياكم إليه وتحسينه لكم ، لا من الاعمال
التي ندبكم إليها ربكم ، ولا مما يرضاه لكم ، بل هو مما يسخطه لكم ( فاجتنبوه )
يقول : فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه ) وهذا تفسير دقيق لمعنى الآية يدل على
خطأ ما فهمه ابن حزم من أن الرجس هو نفس الأنصاب الخ وان الواجب
اجتناب ذواتها وأجرامها .
ومن هذا تعلم أن الآية لا تدل على نجاسة الخمر أيضا وهو الصحيح ، قال
النووي في المجموع ( 2 : 564 ) : ( ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لان
الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة ، وكذا الامر بالاجتناب
لا يلزم منه النجاسة ) ثم ذكر دليلا آخر على نجاستها ورده ثم قال : ( وأقرب
ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما
ولغ فيه والله أعلم ) وهذا دليل ضعيف جدا وان رآه النووي أقرب إلى القوة
والحق أنه لا دليل في الشريعة صريحا أصلا يدل على نجاسة الخمر ، والأصل
الطهارة ، وحرمة شربها لا تدل على نجاستها ، فان السم حرام ليس بنجس ، وكذلك
المخدرات الأخرى ، واليه ذهب ربيعة وداود فيما حكاه النووي نقلا عن القاضي
أبى الطيب ، وهو الذي نختاره ، والحمد لله . ويظهر من كلام الراغب الأصفهاني
الذي نقلنا آنفا أنه يميل إليه أو يختاره ، واليه يرمي كلام القاضي الشوكاني كما
يفهم من الدرر البهية وشرحه الروضة الندية ( 1 : 20 - 21 ) واختاره أيضا
العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام ( ج 1 ص 42 ) الطبعة المنيرية