الدين قيل : هبكم أن ذلك كذلك ، أيجب من ذلك ان المشركين طاهرون ؟
حاش لله من هذا ، وما فهم قط من قول الله تعالى ( إنما المشركون نجس ) مع قول
نبيه صلى الله عليه وسلم ( ان المؤمن لا ينجس ) ان المشركين طاهرون ، ولا عجب
في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص الله تعالى : أنهم نجس : إنهم طاهرون ، ثم
يقول في المنى الذي لم يأت قط بنجاسته نص : انه نجس ، ويكفى من هذا القول
سماعه . ونحمد الله على السلامة *
فان قيل : قد أبيح لنا نكاح الكتابيات ووطؤهن ، قلنا : نعم فأي دليل في
هذا على أن لعلبها وعرقها ودمعها طاهر ؟ فان قيل : إنه لا يقدر على التحفظ من
ذلك ، قلنا : هذا خطأ ، بل يفعل فيما مسه من لعلبها وعرقها مثل الذي يفعل إذا مسه
بولها أو دمها أو مائية فرجها ولا فرق ، ولا حرج في ذلك ، ثم هبك أنه لو صح لهم
ذلك في نساء أهل الكتاب ، من أين لهم طهارة رجالهم أو طهارة النساء والرجال من
غير أهل الكتاب ؟ فان قالوا : قلنا ذلك قياسا على أهل الكتاب ، قلنا : القياس كله
باطل ، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل ، لان أول بطلانه أن علتهم في
طهارة الكتابيات جواز نكاحهن ، وهذه العلة معدومة باقرارهم في غير الكتابيات ،
والقياس عندهم لا يجوز إلا بعلة جامعة بين الحكمين ، وهذه علة مفرقة لا جامعة
وبالله تعالى التوفيق ( 1 ) *
هامش
( 1 ) القول بنجاسة بدن الكافر وعرقه وريقه الخ قول شاذ لم أعرفه روى
عن أحد من العلماء إلا ما نقله ابن كثير في تفسيره ( ج 4 ص 372 ) عن بعض أهل
الظاهر ولعله يريد المؤلف ، وإلا ما نقله الطبري في تفسيره ( ج 10 ص 74 ) عن الحسن
( لا تصافحوهم فمن صافحهم فليتوضأ ) ومن العجب العجاب أن ينسب أبو حيان
في النهر بهامش البحر ( ج 5 ص 27 ) للطبري القول بنجاسة أعيانهم ! والطبري إنما
ذكره قولا عن أناس ، وحكى أنه منسوب لابن عباس من غير وجه حميد فكره
ذكره ، والمؤلف إنما اتى بمغالطات زعمها أدلة ، وقد أباح الله للمؤمنين طعام
أهل الكتاب ومؤاكلتهم ، ولن يخلو هذا من آثارهم ، وزواج الكتابيات يدعو
إلى مخالطتهن أتم مخالطة ، مما لا يمكن معه الاحتراز عن ريقهن وعرقهن في بدن
لمؤمن وثوبه وفراشه ، والآية ظاهرة في أن المراد نجاستهم المعنوية من جهة
لاعتقاد الباطل ، وعدم الحرص على الطهارات وانهم ، لا يتحرزون من
النجاسات . قال السيد الأمير الصنعاني فما علقه على هامش المحلى : ( وقوله تعالى :
( إنما المشركون نجس ) ليس المراد به المعنى الشرعي بل الاستقذار وعدم أهليتهم
قربان المسجد الحرام ، ولفظ ( نجس ) في اللغة مشترك بين معان ، والقرائن
هنا تدل أنه أريد به أن المشركين مستقذرون مبعدون عن بيوت الله
لها معهم من نجاسة الاعتقاد والهية الأوثان ، فيقصون عن أشرف مكان ، ويبعدون
عن أفضل متعبدات أهل الايمان )