الجبال وشقوقها ، لم يعد كافيا اليوم لتحقيق سعادة الانسان المعاصر الذي يعيش حياة تتّسم بالتعقيد والتداخل .
وما كان من القوانين كافيا لإدارة حياة الانسان في عصر كان يقاتل فيه بالسيف والرمح ، لم يعد ذا معنى في عصر الذرة والقنبلة الهيدروجينية .
وما كان ذا معنى في عصر امتطاء الخيل والحمير لم يعد مجديا في زمن ازدهرت فيه وسائط النقل حتى اخذ الانسان يتنقل بالطائرات النفاثة ويتحرك بالغواصات النووية . وخلاصة القول ؛ انّ العالم المعاصر لم يعد يقبل قوانين وضوابط العصور السابقة ، ولا نتوقع منه ان يقدم على خطوة مثل هذه وبذلك لا مناص من القول بانّ الاحكام والضوابط التي تحتاجها المجتمعات الانسانية تتغيّر باستمرار طبقا للتحولات المتنوعة الواسعة التي تجتاح البشرية .
ويتبع التغيّر في قواعد العمل ( الاجتماعي ) وقوانينه تغير بالضرورة في مقاييس الاخلاق ، لانّ الاخلاق لا تعدو أن تكون بدورها سوى ملكات وصور نفسية تكتسب ثباتها ومعانيها من تكرار الاعمال نفسها .
فالحياة السهلة البسيطة التي كان يحياها الانسان دون غل قبل ألفين أو ثلاثة آلاف سنة لم تعد تلائم الحياة المعاصرة بما يكتنفها من تعقيد والتواء . والحياة الاجتماعية للمرأة المعاصرة لم تعد تسمح لها ان تعيش مثل الحياة العفيفة التي كانت تحياها النساء قبل عشرين قرنا !
والعامل والفلاح وسائر الطبقات المستضعفة لم يعد بمقدورها ان تصبر - كما كانت في الماضي - على ذلّ وهو ان الظالمين .
والعقول الثورية المتفتحة للانسان المعاصر الذي غزا الفضاء لم تعد تفزعها
مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي — صفحة 93
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٩٣