من تقدير مضاف محذوف في قول عمر ( وإنا نتوسل إليك بعم
نبينا ) ، أي بدعاء عم نبينا ، قولهم هذا فيه صرف للنص عن ظاهره
ولا دليل معهم إلا شبه متخيلة ، فالواجب والحالة هذه إبقاء النص
على ظاهره ذلك أن الحذف يكون على خلاف الأصل والواجب
العمل بالأصل وتجد المخالف يقول : أراد عمر بدعاء عم نبيك وهذا
خطأ لأن الإرادة محلها القلب فتعيين الإرادة على خلاف الظاهر
باطل ، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أجل من أن يلبس
على الناس دينهم فيكون ظاهر كلامه مخالفا لما يريده .
6 - بقي بيان أن الاسترسال السابق هو في دفع شبه فقط وإلا
فالصحابة رضي الله عنهم توسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ثبت ذلك عن ابن عمر
وبلال بن الحارث المزني ( 1 ) وعائشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى ،
وتقدمت الأبيات المصرحة بالتوسل بالعباس رضي الله عنه .
ثم لا يخفى على اللبيب أن المتوسل لم يطلب من الميت أو الحي
شيئا ، وإنما طلب من الله عز وجل فقط متوسلا أي متقربا إلى الله
تعالى بكرامة هذا الميت أو الحي أو عمله الصالح أو نحو ذلك ، فهل
في هذا ونحوه عبادة للميت أو تأليه له ، نعوذ بالله من المجازفة
والهجوم على أعراض المسلمين .
هامش
( 1 ) وركب المعلق على فتح الباري الصعب فقال تعليقا على أثر بلال بن
الحارث المزني ( 2 / 495 ) : هذا الأثر - على فرض صحته كما قال الشارح
- ليس بحجة على جواز الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ، لأن السائل مجهول ،
ولأن عمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه ، وهم أعلم الناس بالشرع ،
ولم يأت أحد منهم إلى قبره يسأله السقيا ولا غيرها ، بل عدل عمر عنه لما وقع
الجدب إلى الاستسقاء بالعباس ، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة ، فعلم أن
ذلك هو الحق ، وأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك ، بل قد
جعله بعض أهل العلم من أنواع الشرك ، وأما تسمية السائل في رواية سيف
المذكورة ( بلال بن الحارث ) ففي صحة ذلك نظر ، ولم يذكر الشارح سند
سيف في ذلك ، وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه ، لأن عمل كبار
الصحابة يخالفه ، وهم أعلم بالرسول صلى الله عليه وسلم وشريعته من غيرهم ، والله أعلم
. ا ه .
قلت : قوله ( لأن السائل مجهول ) هو معنى كلام الألباني في توسله
( ص 122 ) حيث قال : هب أن القصة صحيحة ، فلا حجة فيها لأن مدارها
على رجل لم يسم ، وتسميته بلالا في رواية سيف لا يساوي شيئا لأن سيفا
متفق على ضعفه . ا ه .
وقد أجبت بتوفيق الله تعالى عن هذا فقلت : الجاني إلى القبر الشريف
سواء كان صحابيا أو تابعيا فالحجة في إقرار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى
عنه في عمله ، حيث لم ينهه عما فعل ، بل بكى عمر وقال : يا رب ما آلو
إلا ما عجزت عنه . والله أعلم .
قوله : ( ولأن عمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه ) . قلت : قد
تقدم أن حكمه حكم الترك ، وإقرار عمر لهذا الجائي فيه لفت نظر للقارئ
الكريم إلى أن فعل الصحابة ليس على خلافه ومثله أثر عائشة رضي الله عنها
في فتح الكوى وهما نص في الباب .
قوله : ( ولأن ما فعله هذا الرجل منكر ووسيلة إلى الشرك ، بل جعله
بعض أهل العلم من أنواع الشرك ) . قلت : أخطأت وما أصبت فبعد
تسليمك بصحة الأثر أترى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه يقر الرجل
على الشرك - في رأيك - حاشاه من هذا ؟
ثم للناظر أن يتعجب ويسأل : هل نتعلم من الصحابة رضوان الله عليهم
ديننا ؟ أم ننظر في أعمالهم ونحكم عليها وفق ما نراه من قواعد غير مسلمة ؟
وهكذا تكون الفوضى في التعليقات .
وسبيل أهل العلم هجر ما يخالف الآثار الصحيحة وعمل الصحابة رضي الله
عنهم . والمجئ إلى القبر الشريف ومخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ، بشرك
واعتراف ابن تيمية بهذه الواقعة وغيرها انظره في اقتضاء الصراط المستقيم
( ص 373 ) ولا بد .
فهل ابن تيمية يقر الشرك أم أن المعلق لم يعط البحث حقه أم ماذا ؟ نعوذ
بالله من التخبط والتناقض ومرض البدعة والشرك .
قوله : وعلى تقدير صحته عنه لا حجة فيه ، لأن عمل كبار الصحابة
يخالفه وهم أعلم بشريعته صلى الله عليه وسلم من غيرهم ) .
الحجة في قول عمر وإقراره رضي الله عنه ، ثم إن عمل كبار الصحابة ليس
بحجة مع مخالفة صغارهم لهم كما هو مقرر في علم الأصول . والكلام هنا
يحتمل أكثر من ذلك ولولا خشية الإطالة لوفيت الكيل صاعا بصاع والله
المستعان .