المناظرة الستون
مناظرة
الإمام الصادق ( عليه السلام ) مع عبد الله بن الفضل الهاشمي في
الحكمة من غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام )
روي عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال : سمعت الصادق ( عليه السلام ) يقول : إن
لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها ، يرتاب فيها كل مبطل .
قلت له : ولم جعلت فداك ؟
قال : لأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم .
قلت : فما وجه الحكمة في غيبته ؟
قال : وجه الحكمة في غيبته ، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج
الله ( 1 ) تعالى ذكره ، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره ( 2 ) ، كما لم
هامش
( 1 ) راجع : كمال الدين وتمام النعمة للصدوق : ج 1 ص 127 - 153 ( في الحكمة من غيبات بعض
الأنبياء ( عليهم السلام ) ) .
( 2 ) إن مفاد هذه الرواية الشريفة هو عدم معرفة وجه الحكمة من غيبته الشريفة حتى يظهر عجل
الله فرجه الشريف ، فحينئذ يتبين للناس وجه الحكمة من غيبته ، إلا أن هناك مجموعة من
الروايات الشريفة والتي ذكرها الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين : ج 1 ص 479 -
482 ( ب علة الغيبة ) قد أفصحت عن بعض أوجه الحكمة من غيبته : وهي على طوائف خمس
على حسب ما تتبعته عاجلا وهي :
الطائفة الأولى : كرواية علي بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه ، عن أبي الحسن بن
موسى الرضا ( عليه السلام ) أنه قال : كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث ( الرابع ن ل ) من ولدي كالنعم يطلبون
المرعى فلا يجدونه ، قلت له : ولم ذاك يا بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قال : لأن إمامهم يغيب عنهم ،
فقلت : ولم ؟ قال : لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف .
الطائفة الثانية ( وهي رواية واحدة ) : ما روي عن حنان بن سدير ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله
( عليه السلام ) قال : إن للقائم منا غيبة يطول أمدها ، فقلت له : يا بن رسول الله ولم ذلك ؟ قال : لأن الله عز
وجل أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياء ( عليهم السلام ) في غيباتهم ، وإنه لا بد له يا سدير من استيفاء مدد
غيباتهم ، قال الله تعالى : * ( لتركبن طبقا عن طبق ) * - الانشقاق : 9 - أي سنن من كان قبلكم .
الطائفة الثالثة : كرواية زرارة عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : للقائم غيبة قبل قيامه ، قلت : ولم ؟
قال : يخاف على نفسه الذبح .
الطائفة الرابعة : ( وهي التي ذكرها أيضا الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين : ج 2
ص 641 ب 54 ) عن إبراهيم الكرخي قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أصلحك الله ألم يكن علي
( عليه السلام ) قويا في دين الله عز وجل ؟ قال : بلى . قال : فكيف ظهر عليه القوم ، وكيف لم يدفعهم وما
يمنعه من ذلك ؟ قال : آية في كتاب الله عز وجل منعته قال : قلت وأية آية هي ؟ قال : قوله عز
وجل : * ( لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) * إنه كان لله عز وجل ودائع مؤمنون في
أصلاب قوم كافرين ومنافقين ، فلم يكن علي ( عليه السلام ) ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع فلما خرجت
الودائع ظهر على من ظهر فقاتله ، وكذلك قائمنا أهل البيت ( عليهم السلام ) لن يظهر أبدا حتى تظهر ودائع
الله عز وجل فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله .
الطائفة الخامسة : وهي ما روي عن أبي جعفر ( عليهم السلام ) محمد بن علي أنه قال : إذا اجتمع للإمام
عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وجب عليه القيام والتغيير . ( بحار الأنوار : ج 10 ص 49 ح
18 ) .
فمفاد هذه الطوائف الخمس هي أن أوجه الحكمة خمسة أمور في عدم ظهوره حتى يأذن
الله له بالخروج صلوات الله عليه وهي :
1 - لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف .
2 - لكي تجري فيه سنن الأنبياء السابقين في غيباتهم واستيفائها .
3 - إنه ( عليه السلام ) يخاف على نفسه الذبح لو خرج قبل أوان خروجه المناسب .
4 - إنه لن يظهر ( عليه السلام ) حتى تظهر ودائع الله ( كما في رواية أخرى : ودائع مؤمنون في أصلاب
قوم كافرين ) .
5 - إنه ( عليه السلام ) لا يظهر حتى تتكامل عدة أصحابه عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا ،
وهم أصحاب الألوية ، وهم حكام الله في أرضه على خلفه . . . الخ كما في رواية المفضل بن عمر
عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( بحار الأنوار : ج 52 ص 326 ح 42 ) .
فما هو وجه الجمع بين رواية الهاشمي التي مفادها عدم معرفة الحكمة من غيبته حتى يظهر
، وبين تلك الطوائف الخمس في بيان الحكمة من الغيبة ؟ نقول : لعل الرواية الأولى ناظرة إلى
عدم انكشاف تمام العلة من غيبته لا بعضها ، ولا مانع من بيان بعض وجوه الحكمة كما في
الطوائف الخمس ، وتبقى الحكمة الأصل خافية علينا في غيبته حتى يظهر عجل الله فرجه ، فلا
تنافي بين الروايات والله العالم .