دمي واضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة وفاضت عيناي ، وأنا أريد
أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين ، لم أسأل عنها أحدا ، فإن أنت
أجبتني عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك ، وقد بلغني عنك أنك لم تكذب
قط ، فأصدقني فيما أسألك مما في قلبي .
فقلت : ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني .
قال : لك الأمان إن أصدقتني ، وتركت التقية التي تعرفون بها معشر بني
فاطمة .
فقلت : ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء .
قال : أخبرني لم فضلتم علينا ، ونحن وأنتم من شجرة واحدة ، وبنو عبد
المطلب ونحن وأنت واحد ، إنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب ، وهما عما رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) وقرابتهما منه سواء ؟
فقلت : نحن أقرب .
قال : وكيف ذلك ؟
قلت : لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم ، وأبوكم العباس ليس هو من أم
عبد الله ولا من أم أبي طالب .
قال : فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي ( صلى الله عليه وآله ) والعم يحجب ابن العم ( 1 ) ، وقبض
هامش
( 1 ) أقول : طالما أخذ بنو العباس أمثال هذه الدعاوى دليلا على أولوية العباس - بميراث النبي
( صلى الله عليه وآله ) وخلافته - من أمير المؤمنين باعتبار أن العم أقرب من ابن العم وقد أغفلوا وتناسوا ابنته
فاطمة ( عليها السلام ) التي تحجب العم ، وراحوا يضللون الناس بدعاواهم المزيفة ليعموا الناس عن
الحقيقة ، مسخرين في ذلك الشعراء المرتزقة ذلك الأعلام المضلل الزائغ عن الحق ، فضمنوا
ذلك في الأشعار محتجين بآية : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) * الأنفال /
75 ، ومن أولئك الشعراء الذين استخدموهم في ذلك مروان بن أبي حفصة الذي لم يذخر وسعا
في هجاء الطالبيين ومقدساتهم وذم محبيهم ، فأخذ ينفث حقده الدفين عليهم متبجحا بدعاواه
الباطلة ، مرددا :
أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام
( راجع : تاريخ بغداد : ج 13 ص 143 ، الأغاني للأصفهاني : ج 10 ص 94 . )
ليغيض به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ذريته بدل أن يتقرب إليه بحبهم ومدحهم ، لم يبق شئ لم
يفعلوه تجاه ذريته - كأنه لم يوص بهم ولم يكن أبوهم - فراحوا قتلا وتشريدا وحبسا في
السجون والمطامير ، ولم يبق سوى إنكار نسبتهم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقد فعلوها .
والجدير بالذكر هنا هو ما روي عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ( رضي الله عنه ) عن عبد السلام بن
صالح الهروي ، قال : حدثني معمر بن خلاد وجماعة ، قالوا : دخلنا على الرضا ( عليه السلام ) ، فقال له
بعضنا : جعلنا الله فداك ! ما لي أراك متغير الوجه ؟ ! فقال ( عليه السلام ) : إني بقيت ليلتي ساهرا متفكرا في
قول مروان بن أبي حفصة :
أنى يكون وليس ذاك بكائن * لبني البنات وراثة الأعمام
ثم نمت فإذا أنا بقائل قد أخذ بعضادة الباب وهو يقول :
أنى يكون وليس ذاك بكائن * للمشركين دعائم الإسلام
لبني البنات نصيبهم من جدهم * والعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث ؟ وإنما * سجد الطليق مخافة الصمصام
قد كان أخبرك القرآن بفضله * فمضى القضاء به من الحكام
إن ابن فاطمة المنوه باسمه * حاز الوراثة عن بني الأعمام
وبقي ابن نثلة واقفا مترددا * يبكي ويسعده ذووا الأرحام
راجع : عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) للصدوق : ج 1 ص 188 - 189 ح 2 ( ب 43 ) ، الإحتجاج
للطبرسي : ج 2 ص 393 - 394 وقد نسب هذه الحادثة إلى الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، بحار الأنوار :
ج 10 ص 391 عن الفصول المختارة للمفيد : ج 1 ص 65 ، وقد روى وقوع هذه الحادثة لأبي
الحسن العسكري ( عليه السلام ) ، ولا يمنع تكرر وقوع هذه الحادثة لبعض الأئمة ( عليهم السلام ) ، وقد ذكر بعض
هذه الأبيات أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني : ج 10 ص 95 ، وقد
نسبها إلى محمد بن يحيى
بن أبي مرة التغلبي .
وقد تناول هذه الدعوى أيضا مروان نفسه في بعض قصائده فنال بذلك إعجاب المهدي
العباسي ، متزلفا إليه ، فكانت جائزته منه ثمانين ألف درهم ، فأصبحت أنشودتهم المفضلة ، وقد
غناها لهم إبراهيم بن المهدي ، وإليكها :
هل تطمسون من السماء نجومها * بأكفكم أو تسترون هلالها
أو تجحدون مقالة عن ربكم * جبريل بلغها النبي فقالها
شهدت من الأنفال آخر آية * بتراثهم فأردتم إبطالها
فذروا الأسود خوادرا في غيلها * لا تولغن دماءكم أشبالها
( راجع : الأغاني للأصفهاني : ج 10 ص 70 و 87 ، تاريخ بغداد : ج 13 ص 143 - 144 ) .
وقد أجاد الشاعر المبدع فرات الأسدي في رده على مروان بن أبي حفصة - حيث
يقول :
ومقالة عجب أثرت عجاجها * وحجب عن وجه الحقيقة حالها
وتخبطت قدماك تهوي سادرا * لا تستبين رشادها وضلاها
فطمست من فلك السماء نجومها * وسترت بالملق الرخيص هلالها
لو كنت تعلم ما تقول إذن هوت * شمس وزلزلت الدنى زلزالها
لكن - ويأبى الله إلا نورهم * بتمامه - ما إن وردت وبالها
هم آل بيت المصطفى وراثه * وبهم أبان حرامها وحلالها
فأربع على الزيغ القديم وهاكه * - كل بما كسبت يداه - نوالها
ومن سار على منوال مروان بن أبي حفصة أبان بن عبد الحميد ، الذي أراد أن يحضى
بالقرب من الرشيد كمروان ، فقالوا له : إن لمروان مذهبا في هجاء آل أبي طالب به يحضى ،
وعليه يعطى ، فاسلكه ؟
فقال : لا أستحل ذلك ، فقالوا له : لا تجئ أمور الدنيا إلا بفعل ما لا يحل ؟ ! ثم نظم قصيدة في
مدح العباس وإنه أقرب إلى رسول الله من علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأولى منه بميراثه ، فنال بذلك
إعجاب الرشيد ، فأمر له بعشرين ألف درهم ، ثم أصبح من المقربين إليه ، وإليك بعض أبياته التي
قالها في قصيدته الطويلة :
نشدت بحق الله من كان مسلما * أعم بما قد قلته العجم والعرب
أعم رسول الله أقرب زلفة * لديه ، أم ابن العم في رتبة النسب
وأيهما أولى به وبعهده * ومن ذا له حق التراث بما وجب
فإن كان عباس أحق بتلكم * وكان علي بعد ذاك على سبب
فأبناء عباس هم يرثونه * كما العم لابن العم في الإرث قد حجب
( راجع : خزانة الأدب للبغدادي : ج 8 ص 176 ) .
ويقول أيضا الأستاذ فرات الأسدي في جوابه له :
أثمت إذ استنشدت من كان مسلما * تعم بما قد قلته العجم والعرب
وحدت عن الحق الصراح ولم تكن * لتدفع عنك الزيغ في الرأي والعطب
أنفس رسول الله حيدرة الذي * له دون كل الناس حق العلى وجب
تحيد بك الأهواء عنه وغيره * له تبع وهو المقدم في الرتب
أخوه وأبناه من الطهر نسله * فكيف لعم قبله الإرث والنسب
فأيهما أولى ولم يك مشرعا * سوى بابه ما سد قط ولا حجب
لأن عليا باب علم محمد * ووارثه والمرتضى والأخ الأحب
ومن الشعراء الذين بالغوا أيضا في تنقيص أهل البيت حقهم ، وإثبات أن الحق للعباس وبنيه
هو عبد الله بن المعتز العباسي ، الذي يقول في بعض قصائده :
ألا من لعين وتسكابها * تشكي القذى وبكاها بها
ومنها :
نحن ورثنا ثياب النبي * فكم تجذبون بأهدابها
لكم رحم يا بني بغتة * ولكن بنو العم أولى بها
فمهلا بني عمنا إنها * عطية رب حبانا بها
راجع : ديوان ابن المعتز : ص 30 - 33 .
ولله در صفي الدين الحلي الشاعر المجاهد حيث يقول في جوابه :
ألا قل لشر عبيد الإله * وطاغي قريش وكذابها
وباغي العباد وباغي العناد * وهاجي الكرام ومغتابها
أأنت تفاخر آل النبي * وتجحدها فضل أحسابها
بكم بأهل المصطفى أم بهم * فرد العداة بأوصابها
أعنكم نفي الرجس أم عنهم * لطهر النفوس وألبابها
وقد ورثنا ثياب النبي * فكم تجذبون بأهدابها
وعندك لا يورث الأنبياء * فكيف حظيتم بأثوابها
فكذبت نفسك في الحالتين * ولم تعلم الشهد من صابها
وقولك أنتم بنو بنته * ( ولكن بنو العم أولى بها )
بنو البنت أيضا بنو عمه * وذلك أدنى لأنسابها
فدع في الخلافة فصل الخلاف * فليست ذلولا لركابها
وما أنت والفحص عن شأنها * وما قمصوك بأثوابها
راجع : ديوان صفي الدين الحلي : ص 192 .