الأول يرى أن التحقيق يقتصر على إخراج النص مصححا ، سليما من
التصحيف والتحريف ، وحسب ، فلا مبرر بعد هذا لأي جهد إضافي يبذله
المحقق في جوانب خارجة عن تقويم النص .
ويرى الثاني - على خلاف الأول - أن تقويم النص ليس سوى جزء واحد
من العمل التحقيق لا بد أن ترافقه جهود مكثفة في الجوانب التي تتصل مباشرة
بنص الكتاب ، من قبيل مقابلة نصوص الكتاب مع النصوص المماثلة في المصادر
المعتمدة ، وتخريج النصوص ، وشرح مبهماتها ، وضبط مفرداتها ، ليأتي العمل
متكاملا متحد الأجزاء .
والمنهج الأول إن كان يوفر على المحقق جهدا وعناء كبيرين ، ويوفر عليه من
الوقت ما لا يدركه إلا العاملون في التحقيق ، فهو للأسف لا يخدم الكتاب كثيرا .
فالنص وأن صحح وضبط إلا أنه قد لا يخلو من خطأ ما لم يقابل مع غيره
من المصادر المعتمدة الموثوقة .
والقارئ - وإن سهلت عليه قراءة المطبوع - غير أن تخريج النصوص وشرح
المبهمات وترجمة المهم الغامض من الأعلام والمدن لها الدور الأهم في فهم النص
وتقبله ، وخصوصا إذا تنبهنا إلى حقيقة أن ليس كل القراء علماء .
ولكن المنهج الثاني هو الآخر لا يخلو من آفة ، وإن لم تكن فيه نفسه كمنهج ،
وإنما جائته من بعض من ركبه وهو لا يحسن العوم فيه .
فترى منهم من شأنه أن يعبئ في الهوامش كل ما امتدت إليه يده ، فيحملها
كلاما ثقيلا مما بلا أدنى مبرر ، يشرح أيسر الألفاظ ، ويسهب في تفصيل ما لا
تجد ضرورة لذكره أصلا ، ويطيل في ترجمة أشهر البلدان والأعلام ، ناسيا أنه
سيترك ثقله هذا كله على صدر القارئ ، متسببا في ضجره ونفرته من تتبع الكتاب
وربما حتى من تصفح أوراقه !
ومنهم من اتخذ هذا المنهج طريقا لإفراغ آرائه الشخصية لا غير ، فهو يعلق
على الأحاديث والأخبار فيبطل منها ما يخالف هواه وإن كان صحيحا ثابتا متفقا
المسائل السروية — صفحة 18
مساهمون: الشيخ المفيد
ص١٨