قال : حدثنا عبد الرحمن ابن الغسيل ( 1 ) قال : أخبرني عبد الرحمن بن خلاد الأنصاري ،
عن عكرمة ، عن عبد الله بن عباس قال : إن علي بن أبي طالب والعباس بن
عبد المطلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي
قبض فيه ، فقالوا : يا رسول الله هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها
عليك . فقال : وما يبكيهم ؟ قالوا : يخافون أن تموت ، قال : أعطوني أيديكم
فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
" أما بعد ، أيها الناس ! فما تنكرون من موت نبيكم ؟ ألم أنع ( 2 ) إليكم
وتنع إليكم أنفسكم ؟ لو خلد أحد قبلي ثم بعث إليه ( 3 ) لخلدت فيكم . ألا إني
لاحق بربي ، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله
تعالى بين أظهركم ، تقرؤونه صباحا ومساء ، فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا
تباغضوا ، وكونوا إخوانا كما أمركم الله ، وقد خلفت فيكم عترتي أهل بيتي
وأنا أوصيكم بهم ، ثم أوصيكم بهذا الحي من الأنصار ( 4 ) ، فقد عرفتم
هامش
( 1 ) هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري ، أبو سليمان
المدني ، المعروف بابن الغسيل . والغسيل : جد أبيه غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر ،
يروي عن عبد الرحمن بن خلاد الذي ذكره ابن حبان في الثقات ، وروى عنه يونس بن
محمد المؤدب البغدادي المعنون في تاريخ بغداد والتذهيب والتهذيب .
( 2 ) نعى لنا فلانا بناء للفاعل : أخبرنا بوفاته .
( 3 ) يعني ثم بعث إليه ملك الموت . والخلود بمعنى الدوام لا البقاء أبدا سرمدا .
قال الراغب في مفرداته : " الخلود تبرى الشئ من اعتراض الفساد ، وبقاؤه على الحالة
التي هو عليها ، وكل ما يتباطأ عنه التغيير والفساد ، تصفه العرب بالخلود ، كقولهم
للأثافي : خوالد ، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها " .
( 4 ) عد أهل اللغة طبقات الأنساب ست طبقات : الشعب والقبيلة والعمارة والبطن
والفخذ والفصيلة . وربما عبر عن كل واحد من الطبقات الست بالحي ، أما على العموم
مثل أن يقال : حي من العرب ، وأما على الخصوص مثل أن يقال : حي من بني فلان .
ثم اعلم : الظاهر أن " من " فيه للتبيين لا للتبعيض ليشمل جميع الأنصار محسنهم
ومسيئهم كما سيأتي .