أنه سيميتهم ( 1 ) .
ثم قال : أيها المعلل نفسه بالدنيا ، الراكض على حبائلها ( 2 ) ، المجتهد
في عمارة ما سيخرب منها ( 3 ) . ألم تر إلى مصارع آبائك في البلى ، ومصارع
أبنائك تحت الجنادل والثرى ؟ كم مرضت بيديك ، وعللت بكفيك تستوصف
لهم الأطباء ، وتستعتب لهم الأحباء ، فلم يغن عنهم غناؤك ، ولا ينجع فيهم
دواؤك ( 4 ) .
هامش
( 1 ) باطن الدنيا ما خفي عن أعين الناس من مضارها ووخامة عاقبتها للراغبين
إليها ، فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه وعدم الغفلة عنه ، أو ما لا يلتفت الناس إليه
من تحصيل المعارف والقرابات فيها ، فالمراد بالنظر إليه الرغبة وطموح البصر
إليه ، وإنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه ، ولكونه سر الدنيا وحقيقتها وغايتها
التي خلقت لأجلها . والمراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه
إلى باطنها . والمراد بآجل الدنيا ما يأتي من نعيم الآخرة بعدها ، أضيف إليها
لنوع من الملابسة ، أو المراد بآجلها ما يظهر ثمرتها في الأجل من المعارف
والطاعات ، وأطلق الآجل عليه مجازا .
وقوله : " فتركوا " أي ما يتركه من الأموال والأولاد وملاذ الدنيا . والإماتة الاهلاك
المعنوي بحرمان الثواب وحلول العقاب عند الإياب ، وما يميتهم اتباع الشهوات النفسانية
والاتصاف بالصفات الذميمة الدنية .
( 2 ) علله بكذا : شغله ولهاه به . والركض : تحريك الرجل . والحبائل جمع
الحبالة وهي التي يصاد بها . أي تركض لأخذ ما وقع في الحبائل التي نصبتها
في الدنيا ، كناية عن شدة الحرص في تحصيل متمنياتها ، أو المعنى نصب لك الشيطان
مصائد فيها ليصطادك بها ، وأنت تركض إليها حتى تقع فيها جهلا وغرورا .
( 3 ) أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنه آئل إلى الخراب ولا تنتفع به .
( 4 ) صرعه أي طرحه على الأرض ، والموضع مصرع . وبلى الميت أفنته الأرض ،
وكأنه حال عن آبائك . و " أبنائك " أي أبناء نوعك . والجنادل جمع جندل كجعفر
وهي الحجارة . والثرى بالفتح التراب الندي . ومرضته تمريضا إذا قمت عليه
في مرضه . وعلله أي قام عليه في علته يطلب دواءه وصحته ويتكفل بأموره .
واستوصفت الطبيب لدائي إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به . والاستعتاب :
الاسترضاء ، كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم عنده موجدة ، وفي بعض النسخ :
" تستغيث " وهو أظهر . وأغنى عنه كذا إذا إكتفاه . ونجع الوعظ والخطاب فيه دخل فأثر .