به ولقد سمعوه يوما " وهو يقول : والله ما أتيتكم اختيارا " ولكن أتيتكم سوقا " ( 1 ) ، أما
والله لتصيرن بعدي سبايا سبايا يغيرونكم ويتغاير بكم ، أما والله إن من ورائكم الأدبر ،
لا تبقى ولا تذر ، والنهاس الفراس القتال الجموح ( 2 ) ، يتوارثكم منهم عدة يستخرجون
كنوزكم من حجالكم ليس الآخر بأرأف بكم من الأول ، ثم يهلك بينكم دينكم
ودنياكم ، والله لقد بلغني أنكم تقولون : إني أكذب فعلى من أكذب أعلى الله ؟ ! فأنا
أول من آمن بالله أم على رسوله ؟ ! فأنا أول من صدق به ، كلا والله أيها اللهجة عمتكم
شمسها ( 3 ) ولم تكونوا من أهلها ، وويل لأمه ، كيلا " بغير ثمن ، لو أن له وعاء ( 4 )
ولتعلمن نبأه بعد حين ، إني لو حملتكم على المكروه الذي جعل الله عاقبته خيرا " إذا
كان فيه وله ، فإن استقمتم هديتم ، وإن تعوجتم أقمتكم ، وإن أبيتم تداركتكم ، لكانت
الوثقى التي لا تعلى ، ولكن بمن ؟ وإلى من ؟ ، أداويكم بكم وأعاتبكم بكم ( 5 ) ،
كناقش الشوكة بالشوكة أن ضلعها معها ( 6 ) ، يا ليت لي من بعد قومي قوما " ، وليت أن
أسبق يومي .
هنالك لو دعوت أتاك منهم * رجال مثل أرمية الحميم ( 7 )
هامش
( 1 ) في بعض نسخ النهج " والله ما أتيتكم اختيارا ولا جئت إليكم شوقا " .
( 2 ) النهاس : الأسد والذئب وبمعنى النهاش . والفراس : الأسد . والجموح معرب ( جموش ) ،
وفي الاحتجاج والارشاد " النهاس الفراس الجموع المنوع " .
( 3 ) كذا وفي النهج [ كلا والله ولكنها لهجة غبتم عنها ] . وفي الاحتجاج للطبرسي " كلا ولكنها
لهجة خدعة كنتم عنها أغنياء " . وهكذا في الارشاد ولعل ما في الكتاب تصحيف .
( 4 ) في النهج " ويلمه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء " ويلمه مخفف " ويل لأمه " .
( 5 ) في النهج " أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي " .
( 6 ) الضلع - بفتح الضاد وسكون اللام - : الميل وهو مثل يضرب لمن يستعان به على خصم
وكان ميله وهواه مع الخصم ، وفي الأصل " لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها " ونقش
الشوكة إخراجها من العضو تدخل فيه .
( 7 ) قال الشريف الرضي في النهج ذيل خطبة 26 : الأرمية جمع رمي وهو السحاب والحميم
ههنا وقت الصيف ، وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولا وأسرع خفوفا " ، لأنه
لا ماء فيه وإنما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء وذلك لا يكون في الأكثر إلا زمان الشتاء ،
وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والإغاثة إذا استغيثوا ، والدليل على ذلك قوله :
" هنالك لو دعوت أتاك منهم " انتهى . أقول : قوله : " خفوفا " مصدر غريب لخف بمعنى انتقل وارتحل
مسرعا " والمصدر المعروف الخف .