مقلى في بيته فنهض وهو يقول : في ذمة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر ، قال : ففزع
عياله وقالوا : يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزورا " في حيها فأخذ لها
نصيب منها فأهدى أهلها إليها ، قال : فكلوا هنيئا " مريئا " ، قال : فيقال : إنه لم يشتك
ألما إلا شكوى الموت وإنما خاف أن يكون هدية من بعض الرعية وقبول الهدية
لوالي المسلمين خيانة للمسلمين .
قال : قيل : فالصرامة ؟ قال : انصرف من حربه فعسكر في النخيلة ، وانصرف الناس
إلى منازلهم واستأذنوه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين كلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ( 1 )
فإذن لنا ننصرف فنعيد بأحسن من عدتنا ، وأقام هو بالنخيلة وقال : إن صاحب الحرب
الأرق ( 2 ) الذي لا يتوجد من سهر ليله وظمأ نهاره ولا فقد نسائه وأولاده ، فلا الذي انصرف
فعاد فرجع إليه ، ولا الذي أقام فثبت معه في عسكره أقام ، فلما رأى ذلك دخل الكوفة
فصعد المنبر فقال : لله أنتم ! ما أنتم إلا أسد الشرى ( 3 ) في الدعة ، وثعالب رواغة ، ما أنتم
بركن يصال به ( 4 ) ولا زوافر عز يفتقر إليها ، أيها المجتمعة أبدانهم والمختلفة أهواؤهم
ما عزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ( 5 ) ، مع أي إمام بعدي تقاتلون
هامش
( 1 ) كان ذلك بعد منصرفه عليه السلام من نهروان . والأسنة : جمع سنان . و " نصلت أسنة
رماحنا " أي زال أثرها .
( 2 ) الأرق : السهر بالليل ، وفي النهاية : رجل - أرق ككتف - : إذا سهر لعلة فإن كان السهر
من عادته قيل : أرق بضم الهمزة والراء - .
( 3 ) الشرى : موضع تنسب إليه الأسد ، وقيل : هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام
ومأسدة . والأسد : جمع أسد . والدعة : خفض العيش أي في وقت الدعة والخفض . والرواغ : كثير
الخداع والمكر ، يقال : هو ثعلب رواغ وهم ثعالب رواغة .
( 4 ) في النهج " بركن يمال بكم " أي يمال إلى العدو بقوتكم . وفي تاريخ الطبري والإمامة
والسياسة " بركن يصال بكم " . وقوله " زوافر عز يفتقر إليها " في الطبري والإمامة " ذي عز
يعتصم إليه " . والزوافر جمع زافرة وهي من البناء : ركنه ومن الرجل : عشيرته وأنصاره وخاصته
وفي بعض خطب النهج " ولا زوافر عز يعتصم إليها " .
( 5 ) " المختلفة أهواؤهم " في البيان والتبيين للجاحظ ج 2 ص 56 " المختلفة أهواؤكم " وهذا
على الالتفات . يعني المختلفة آراؤهم وميولهم وما تميل إليه قلوبهم . والعزة في الأصل الغلبة
والقوة وإسناد المنفي إلى الدعوة توسع والمراد ذلة من دعاهم لعدم الإجابة . وقوله : " قاساكم " في
بعض النسخ [ ماشاكم ] .