ولكنه لم يختر من وجوه الرواية إلا ذلك الوجه الذي أورده المحدثون بتصرف
مقيت حيث يغيبون اسم عمر بن الخطاب وهو صاحب كلمة " يهجر " لنعرف
كيف أن ابن خلدون كان يحرف على طريقته ويدلس ، ولا يتوخى الوضع لأسباب
سبق أن قلنا إنها مذهبية محض .
قال ابن عباس : " يوم الخميس وما يوم الخميس ، اشتد برسول الله وجعه ،
فقال : هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ، فقال عمر إن النبي قد غلبه الوجع
وعندكم كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي
( ص ) قال لهم قوموا عني ، فكان ابن عباس يقول : إن الرزية كل الرزية ما حال
بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ( 20 ) " .
وحسبك أن الاضطراب الذي نتج عن فعل التصحيف والتحريف ، إن الخبر
جاء بصيغ مختلفة كلها تعكس تدخل أقلام التحريف لتجيير الحقيقة لصالح عمر .
فمرة يجعلونها في صيغة الغائب : " وقال بعضهم " وهي الصيغة التي اختارها ابن
خلدون . وهناك من جعلها بصيغة الاستفهام " أهجر " يستفهم ! وقد أخرج
البخاري ، قال عمر : " إن النبي قد غلب عليه الوجع وعندكم كتاب الله " بيد
أن ابن خلدون سكت عن اسم عمر بن الخطاب ، وجاء بما يلبس على الناس .
وبعد ذلك لم يتطرق لما جرى بعد سماعه ( ص ) اللغط من حوله . وبعد أن تلقت
أذنه الشريفة كلمة " الهجران " حتى أدرك أنه لم يعد بعدها جدوى من الوصية .
لأن الأمر بعدها سيكون أخطر . وسيكون السؤال ، هل إن كلام الرسول ( ص )
حق ناطق عن الوصي أم أن كلام الرسول ( ص ) فيه نوع من الهجر . وإذا ثبت
الهجر في قوله ذلك ، ترتب عليه ثبوته في كل أقواله . مما ينفي العصمة عنه . أو لم
يحاول بعضهم النيل من عصمة النبي ( ص ) حتى يتمكن من تأويل بعض أقواله بما
لا يطابق حقيقتها . وسيكون الأمر بعدها أشد حرجا على الإسلام ، عندما يبدأ
الطعن في النبوة ومقامها الشريف . فالأولى التضحية بالإمامة بدل النبوة ، لأن
الإمامة قد تعود ما دامت هي امتداد للنبوة . أما لو أن الخلاف كان في النبوة ، للزم
الدور . ولكان من باب المستحيلات الدعوة إلى الإمامة مجددا . وهذا ما جعل
هامش
( 20 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب قول المريض قوموا عني . وأورده مسلم في كتاب الوصية .