مدلول كل منهما في مقام الجعل يقتضي رفع اليد عن مدلول الآخر وموجب لانتفائه في ذلك
المقام مع بقاء موضوعه بحاله لا بانتفائه ، ومن هنا يرجع جميع أقسام التعارض إلى
التناقض حقيقة وواقعاً ، بمعنى أنّ ثبوت مدلول كل واحد منهما يستلزم عدم ثبوت مدلول
الآخر إمّا بالمطابقة ، وإمّا بالالتزام .
وعلى الجملة : فملاك التعارض والتنافي بين الدليلين هو ما ذكرناه غير مرّة من أنّ كل
دليل متكفل لثبوت الحكم على فرض وجود موضوعه في الخارج بنحو القضيّة الحقيقية ، هذا
من جانب . ومن جانب آخر أنّك قد عرفت في غير موضع أنّ نسبة الحكم إلى الموضوع في
عالم التشريع كنسبة المعلول إلى العلّة التامة في عالم التكوين ، فكما يستحيل انفكاك
المعلول عن علّته التامة ، فكذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه .
فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين : هي أنّه إذا كان هناك دليل آخر يدل على نفي هذا
الحكم عن موضوعه الثابت بحاله لا بانتفائه ، فلا محالة يقع التعارض والتكاذب بينه
وبين دليله في مقام الاثبات والدلالة ، فانّ دليله يقتضي ثبوته لموضوعه على تقدير
وجوده في الخارج ، وذاك يقتضي نفيه عن ذلك الموضوع على هذا التقدير ، ومن الواضح
جداً أنّ الجمع بينهما غير ممكن لاستحالة الجمع بين الوجود والعدم في شيء واحد ،
والنفي والاثبات في موضوع فارد .
وصفوة القول : أنّ التنافي بين الحكمين في مقام الجعل والواقع بالذات أو بالعرض يوجب
التنافي والتعارض بين دليليهما في مقام الاثبات والدلالة ، ولأجل ذلك كان كل منهما
في هذا المقام يكذّب الآخر فلا يمكن تصديق كليهما معاً والأخذ بهما ، فلا محالة
يوجب الأخذ بأحدهما رفع اليد عن الآخر وبالعكس .
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 16
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٦