فكما أنّها تجري في الأُولى فكذلك تجري في الثانية ، لأنّ ملاك الجريان فيهما واحد
- وهو عدم العلم بالتكليف الفعلي - غاية الأمر أنّ جريانها في الأُولى مشروط بالفحص
فلا تجري قبله ، دون الثانية ، وفي المقام بما أنّه لا يمكن إحراز موضوع الخطاب
المترتب - وهو عصيان الخطاب المترتب عليه - فلا يمكن جعله لأنّه لغو فلا يصدر من
الحكيم .
ثمّ أورد على نفسه : بأنّ المفروض في محل الكلام هو أنّ الجهل بالخطاب المترتب عليه
ناشئ عن التقصير ، فلا يكون مانعاً عن تنجز الخطاب المزبور ، وحصول عصيانه الذي أُخذ
في موضوع الخطاب المترتب ، فانّ المانع عن ذلك إنّما هو الجهل عن قصور .
وأجاب عنه : بأنّ الخطاب الواقعي لا يكون منجّزاً وقابلاً للدعوة في ظرف الجهل ، من
دون فرق فيه بين كون الجهل عن قصور أو عن تقصير ، وأمّا استحقاق العقاب فانّما هو
على مخالفة الواقع في ظرف وجوب الاحتياط أو التعلم ، والوجه فيه : ما ذكرناه في محلّه
( 1 ) من أنّ وجوب الاحتياط أو التعلم إنّما هو من باب تتميم الجعل الأوّل ، فالعقاب
على مخالفة الواقع هو بعينه العقاب على مخالفة إيجاب الاحتياط أو التعلّم وبالعكس .
وعلى هذا يترتب أنّ استحقاق العقاب على تقدير مخالفة الحكم الواقعي في موارد وجوب
الاحتياط أو التعلم لا يصحح إحراز العصيان ، فانّ إحرازه يتوقف على وصول الحكم
الواقعي بنفسه بالوجدان أو بطريق معتبر من أمارة أو أصل محرز ، ومن الواضح أنّه ما
لم يحرز العصيان لا وجداناً ولا تعبداً لا يكون الحكم المترتب عليه محرزاً أيضاً .
وبتعبير آخر : أنّ تعلق الأمر بالضدّين على نحو الترتب يبتني على أخذ
هامش
( 1 ) أجود التقريرات 3 : 561 .