التزاحم يختص بالضدّين اللّذين لهما ثالث ، وأمّا الضدّان اللّذان لا ثالث لهما فلا
يمكن وقوع التزاحم بينهما ، بل هما يدخلان في كبرى باب التعارض .
وعليه فمن الواضح جداً أنّ ترك كل من الضدّين لهما ثالث عند ترك الآخر مقدور ، فلا
مانع من العقاب عليه .
أو فقل : إنّ استحقاق العقاب على عصيان الأهم وتركه مورد تسالم من الكل ، وإنّما
الكلام في استحقاق العقاب على ترك المهم ، مضافاً إلى استحقاق العقاب على ترك الأهم ،
ومن الضروري أنّ المهم في ظرف عصيان الأهم مقدور عقلاً وشرعاً ، وإنّما لا يكون
مقدوراً في صورة واحدة وهي صورة الاتيان بالأهم - لا مطلقاً - وعليه فلا يكون
العقاب على تركه محالاً .
والغفلة عن هذا أوجبت تخيل أنّه على تقدير القول بامكان الترتب لا يمكن الالتزام
بما هو لازمه من استحقاق عقوبتين في صورة مخالفة الأمرين ، لأنّه عقاب على ما لا
يقدر عليه المكلف - وهو الجمع بين الضدّين - غافلاً عن أنّ القول بامكان الترتب
يرتكز على أساس يناقض طلب الجمع ويعانده . وعليه فكيف يمكن أن يقال إنّ القول
بامكانه يستلزم كون العقاب على تركه - الجمع - ليقال إنّه محال ، فلا يمكن الالتزام
به ، بل القول به يستلزم كون العقاب على عصيان الأهم على وجه الاطلاق ، وعلى عصيان
المهم في ظرف عصيان الأهم - لا مطلقاً - والمفروض أنّ كلا العصيانين على هذا الشكل
مقدور للمكلف ، فيستحق عقابين عليهما ، ولا يكون ذلك من العقاب على غير المقدور .
نعم ، لو كان القول بالترتب مستلزماً لطلب الجمع لكان العقاب على مخالفته قبيحاً ،
إلاّ أنّه على هذا لا يمكن الالتزام بأصل الترتب لتصل النوبة إلى التكلم عن إمكان
الالتزام بما هو لازمه وعدم إمكانه به .
فالنتيجة قد أصبحت أنّ القول بامكان الترتب يستلزم ضرورة الالتزام
محاضرات في أصول الفقه تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي ( موسوعة الإمام الخوئي ) — صفحة 446
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٤٦