الجهة الثانية : في أنّ الواضع هل هو الله تبارك وتعالى أو البشر ؟
الجهة الثالثة : في أنّ الوضع من الأُمور الواقعية أو من الأُمور الاعتبارية ؟
الجهة الرابعة : في أقسام الوضع إمكاناً مرّة ، ووقوعاً مرّة أُخرى .
[ منشأ الوضع ]
أمّا الجهة الأُولى : فربّما يقال فيها : إنّ دلالة الألفاظ على معانيها ناشئة عن
مناسبة ذاتية بينهما ( 1 ) .
وفيه : أنّه لو أُريد بذاتية الدلالة أنّ الارتباط الذاتي والمناسبة الذاتية
بينهما بحد يوجب أن يكون سماع اللفظ علّة تامّة لانتقال الذهن إلى معناه ، فبطلانه
من الوضوح بمكان لا يقبل النزاع ، فانّ لازم ذلك تمكن كل شخص من الإحاطة بتمام اللغات
فضلاً عن لغة واحدة .
ولو أُريد أنّ الارتباط المزبور والمناسبة المزبورة بينهما بحد يوجب أن يكون سماع
اللفظ مقتضياً لانتقال الذهن إلى معناه ، أي أنّ المناسبة اقتضائية لا علّة تامّة ،
ففيه : أنّ ذلك وإن كان بمكان من الامكان ثبوتاً وقابلاً للنزاع - إذ لا مانع عقلاً
من ثبوت هذا النحو من المناسبة بين الألفاظ ومعانيها ، نظير الملازمة الثابتة بين
أمرين فانّها ثابتة في الواقع والأزل بلا توقف على اعتبار أيّ معتبر أو فرض أيّ
فارض ، وبلا فرق بين أن يكون طرفاها ممكنين أو مستحيلين أو مختلفين ، إذ صدقها لا
يتوقف على صدق طرفيها فهي صادقة مع استحالتهما كما في قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ
فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا ) ( 2 ) نعم ، إنّ سنخ ثبوتها غير سنخ
هامش
( 1 ) كما نسبه إلى بعض في القوانين 1 : 194 .
( 2 ) الأنبياء 21 : 22 .