كان الحكم تكليفياً ، وإن كان وضعياً فجريان الاستصحاب يتوقّف مضافاً إلى ذلك على
القول بجريانه في الأحكام التعليقية ، وأمّا إذا قلنا بعدم جريان الاستصحاب في
الأحكام كما هو المختار ولم يكن لدليل ثبوته إطلاق كما هو المفروض ، فلا محيص من
الرجوع إلى سائر الأُصول لفظية كانت أو عملية وهي تختلف حسب اختلاف الموارد ولكن
النتيجة نتيجة السقوط وأنّ الحكم المشكوك قابليته للاسقاط وعدمه قابل له ، ففي مثل
ما إذا شككنا في أنّ حقّ القصاص هل يقبل الاسقاط أو لا يقبل الاسقاط ، فبعد عدم
إطلاق الدليل المثبت له وعدم جريان الاستصحاب على الفرض فلا بدّ من الرجوع إلى سائر
الأُصول اللفظية والعملية ومقتضاها في المقام عدم جواز قتل أحد في الإسلام ، وإنّما
جعل الاقتصاص للوارث على خلاف مقتضى القاعدة ، والمتيقّن من ذلك الحكم المخالف
للقاعدة هو ما إذا لم يسقط الوارث حقّه فإنّه لا يجوز مزاحمة أحد له في قتل قاتل
أبيه ، وأمّا بعد إسقاطه فمقتضى القاعدة أن لا يجوز له قتله ويجوز للآخر مزاحمة
الوارث في قتل القاتل لحرمة دم المسلم في الإسلام ، وله أن يمتنع من القتل ولا يمكن
للآخر إلزامه به بوجه .
وكذا الحال فيما إذا شككنا في سقوط الخيار باسقاطه بعد فرض عدم الاطلاق في دليله
وعدم جريان الاستصحاب فيرجع إلى عموم قوله : ( لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض ) ( 1 ) فإنّه بعد
ما أسقط حقّه لا يمكنه أخذ المبيع من المشتري لأنّه ماله ، والفسخ بعد الاسقاط لم
يدلّ دليل على صحّته وليس بتجارة عن تراض ، فيكون أخذه من أكل المال بالباطل
ونتيجته أنّه يسقط بالاسقاط ، والسرّ في ذلك أنّ تلك الأحكام المجعولة إنّما هي على
خلاف القاعدة فيقتصر فيها على المتيقّن وهو ما قبل الاسقاط وبعد إسقاطها فالمرجع هو
العمومات
هامش
( 1 ) النساء 4 : 29 .