شرح
مثلًا ثم ألقيناها في حوض من الماء فإنّها تغيّر الماء بريحها لا محالة .
ولنقدم الكلام في الصورة الثانية ، لأن التغيّر فيها إذا صار موجباً للانفعال فهو يوجب الانفعال في الصورة الأُولى بطريق أولى .
فنقول : إنّه نسب القول بالنجاسة في صورة التغيّر بأوصاف المتنجس إلى الشيخ الطوسي ( قدس سره ) واستدلّ عليه بالنبوي المعروف : « خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلَّا ما غيّر لونه ، أو طعمه ، أو ريحه » ( 1 )( 1 ) المبسوط 1 : 5 .. فإن قوله ( صلَّى الله عليه وآله وسلم ) إلَّا ما غيّر يشمل النجس والمتنجس كليهما .
وفيه : أن الحديث نبوي قد ورد بغير طرقنا ، كما صرح به صاحب المدارك ( 2 )( 2 ) المدارك 1 : 28 .وأمضاه صاحب الحدائق ( قدس سرهما ) ( 3 )( 3 ) الحدائق 1 : 298 .فلا يعتد به ، وإنّما نقول بالنجاسة في مفروض الكلام لو قلنا بها من جهة الروايات الواردة من طرقنا ، كما في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلَّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه ، . . . » بدعوى أنّ قوله ( عليه السلام ) : « لا يفسده شيء إلَّا أن يتغيّر » أيضاً شامل لكل من النجس والمتنجس .
بل الصحيح عدم تمامية هذا الاستدلال أيضاً ، لاختصاص الرواية بالتغيّر بالنجس دون المتنجس ، ويدلُّ عليه استثناؤه ( عليه السلام ) في الصحيحة بقوله : « إلَّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه ، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه » . فإن هذا الإطلاق والاستعمال : « حتى يذهب الريح ويطيب طعمة » إنّما يصح إذا كان التغيّر الحاصل بالطعم أو الريح تغيّراً بريح كريهة أو طعم خبيث ، إذ مع فرض طيب الطعم أو الريح لا معنى لطيبة ثانياً . وكراهة الريح والطعم تختص بالتغيّر الحاصل بالنجاسات ، وأمّا المتنجسات فربّما يكون ريحها في أعلى مرتبة اللطافة والطيب ، كما في العطور المتنجسة أو طعمها كما في السكر والدبس المتنجسين ، ولا يصح في مثلهما أن يقال : ينزح حتى