شرح
وإنما الكلام فيما لو سلكنا مسلك صاحب الكفاية ( قدّس سرّه ) وقلنا إن المجعول في باب الحجج والأمارات هو المعذّرية أو المنجّزية دون الطريقية ولا الحكم المماثل ، فإن المجتهد حينئذٍ ليس بعالم بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، كما أنه ليس بفقيه ومعه كيف يسوغ تقليده وهل هذا إلَّا من رجوع الجاهل إلى جاهل مثله ؟
وأجاب عن ذلك صاحب الكفاية بأن المجتهد وقتئذٍ وإن لم يكن عالماً بالأحكام الواقعية ولا الظاهرية ، إلَّا أنه عالم بموارد قيام الدليل والحجة على الحكم الشرعي ومتمكن من تشخيصها ، وبهذا الوجه يصح تقليده ويجوز الرجوع إليه ( 1 )( 1 ) كفاية الأُصول : 465 .هذا .
ولا يخفى أن الالتزام بما سلكه صاحب الكفاية ( قدّس سرّه ) من أن المجعول هو التنجيز والتعذير وإن كان لا يمكن المساعدة عليه ، لما بيّناه في محلَّه من أن المجعول في باب الأمارات هو الكاشفية والطريقية دون المعذّرية والمنجّزية ، لأن قبح العقاب من دون البيان ووجوب دفع الضرر المحتمل قاعدتان عقليتان وغير قابلتين للتخصيص بوجه . فإذا قام الخبر الواحد مثلًا على وجوب شيء أو حرمته فلا مناص من أن نلتزم بتنجّز الواقع واستحقاق العقاب على تقدير المخالفة ، ولا يتم ذلك إلَّا بناءً على حجية الخبر حتى ينقلب به موضوع عدم البيان إلى البيان ، ولا يقبح العقاب على مخالفته . إذن التنجيز أمر مترتب على الحجية لا أنه بمعنى الحجية ، وسرّه أنه مع قطع النظر عن حجية الخبر مثلًا لا موجب للالتزام بتنجّز الواقع على المكلف ، بل مقتضى قاعدة قبح العقاب من دون بيان عدم التنجّز ، وعدم استحقاق العقاب على مخالفته لأنه بلا بيان ، وقد عرفت أن قبح العقاب حينئذٍ حكم عقلي غير قابل للتخصيص بوجه .
وكذلك الحال فيما إذا قام الخبر مثلًا على إباحة شيء في مورد واحتملنا فيه الضرر بمعنى العقاب ، فإنه لا شبهة في معذورية المكلف وعدم استحقاقه العقاب على تقدير مخالفة الواقع ، ولا تتم هذا إلَّا بعد حجية الخبر فإنه لولا كونه حجة لم يكن بدّ من الاحتياط ، لوجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب وهو أيضاً حكم عقلي غير قابل للتخصيص . إذن المعذّرية كالمنجّزية مترتبة على الحجية لا أنها بمعنى الحجية ، ومعه