وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ لَا يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ وَلَا السَّابِقِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ ؛ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ وُقُوعُ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ ، وَيَرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتِهِمْ ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِك مِن الأَسْبَابِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } .
وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ هُمْ الَّذِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِن الإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ .
فَأَمَّا الصِّدِّيقُونَ ، وَالشُّهَدَاءُ ؛ وَالصَّالِحُونَ : فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ .
وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ .
وَأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ : فَتَارَةً يُصِيبُونَ ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ .
فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَأُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ .
وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ : فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ ؛ وَيَقُولُونَ : إنَّهُمْ مَعْصُومُونَ .
وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ ؛ وَيَقُولُونَ : إنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأِ .
وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعْصَمُونَ ، وَلَا يؤثمون .
مجموعة الفتاوى — صفحة 69
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٩